السيرة الذاتية
محمود سامي باشا البارودي، المولود عام 1839 والمتوفى في 1904، يُعد بحق قامة شامخة في تاريخ الأدب العربي الحديث، ورائد مدرسة الإحياء والبعث التي نفضت غبار الركود عن الشعر العربي. ينحدر البارودي من أصول شركسية عريقة، وقد ارتبط اسمه بقرية إيتاي البارود بمصر حيث نشأ، ليكون بذلك امتدادًا لسلالة عسكرية مرموقة تعود في نسبها إلى الأمير سيف الدين نوروز الأتابكي.
تلقى البارودي تعليمه العسكري في المدرسة الحربية بالقاهرة، وهو ما صقل شخصيته وزوده بالانضباط والوطنية. لم يقتصر نبوغه على الشأن العسكري، بل امتد ليشمل شغفه باللغات والآداب؛ فقد ارتحل إلى الأستانة، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، وهناك أتقن اللغتين الفارسية والتركية، مبرهنًا على سعة أفقه الثقافي بقدرته على نظم الشعر بهما. شارك في قيادة حملتين عسكريتين مصريتين لدعم العثمانيين، الأولى في قمع ثورة كريت عام 1868، والثانية في الحرب الروسية عام 1877، مما أكسبه خبرة ميدانية وعسكرية واسعة.
على الصعيد السياسي، تدرّج البارودي في مناصب رفيعة، فكان وكيلًا لوزارة الداخلية ثم وزيرًا للحربية، وصولًا إلى رئاسة النظار (رئاسة الوزراء) في أواخر عام 1881. غير أن مسيرته السياسية سرعان ما تلاشت في غمار الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها مصر؛ فإثر اندلاع الثورة العرابية، انحاز البارودي إلى صفوف الثوار المطالبين بالإصلاح، واختير وزيرًا للحربية في حكومة الثورة. بعد هزيمة الثورة ودخول القوات البريطانية القاهرة عام 1882، أُلقي القبض عليه وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سيلان (سريلانكا حاليًا).
قضى البارودي في منفاه القسري سبعة عشر عامًا عصيبة، معظمها في مدينة كاندي. ورغم قسوة الغربة وفقدان الأهل والوطن، إلا أنه لم يستسلم، بل عكف على المطالعة والبحث والتعلم. تعلم اللغة الإنجليزية وتمكن من ترجمة عدد من الكتب، والأهم من ذلك أنه خصص هذا الزمن للتأمل والإبداع الشعري. في سيلان، كتب الكثير من عيون شعره التي تعبر عن آلامه، وشوقه، وحكمته، وحبه لمصر. وفي تلك الفترة، أصيب بمرض أفقده بصره تدريجيًا، لتضاف معاناة جسدية إلى معاناته النفسية. في عام 1317 هـ (الموافق تقريبًا 1899-1900 م)، صدر العفو عنه، ليعود إلى وطنه مصر منهك الجسد، لكن بصيرته الشعرية كانت أشد توهجًا.
يُعد ديوان البارودي، الذي طُبع في جزأين، بالإضافة إلى "مختارات البارودي" في أربعة أجزاء، شاهدًا على عبقريته. لقد أعاد البارودي للشعر العربي مكانته وهيبته، بعد فترة طويلة من التدهور والضعف، داعيًا إلى الاقتداء بفحول الشعراء في العصور الذهبية. كان أسلوبه الشعري يتسم بالمتانة والجزالة والفصاحة، مع المحافظة على عمود الشعر العربي، والتعبير عن قضايا عصره بصدق وجزالة. بهذا الإرث، لم يكن البارودي مجرد شاعر، بل كان بحق مؤسسًا لمدرسة شعرية وأبًا للنهضة الشعرية الحديثة في العالم العربي، ممهدًا الطريق لأجيال تالية من الشعراء الكبار.
الأسلوب الشعري
أسلوبه يتميز بالمتانة والجزالة والفصاحة، مستلهمًا عمالقة الشعر العربي القديم. اعتمد على عمود الشعر التقليدي مع معالجة قضايا عصره الوطنية والوجدانية، ممزوجًا بالحكمة والتجارب الشخصية، وخاصة آلام الغربة والشوق للوطن، مما جعله مؤسسًا لمدرسة الإحياء.