السيرة الذاتية
بشار بن برد، أبو معاذ، هو أحد أبرز الأسماء التي لمعت في سماء الشعر العربي مع بزوغ فجر العصر العباسي، ويُعد علامة فارقة في مرحلة الانتقال من الشعر الأموي إلى التجديد العباسي. وُلد هذا الشاعر الفحل أعمى في البصرة حوالي عام 96 هـ (714 م) لأبوين من أصل فارسي، مما منحه منظورًا فريدًا للعالم اعتمد فيه بشكل كبير على السمع والخيال المتقد، الأمر الذي تجلى في عمق صوره الشعرية وتصويره الدقيق للمحسوسات رغم فقده البصر. عاش بشار فترة شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى، حيث عاصر أواخر الدولة الأموية وبدايات ازدهار الدولة العباسية، مما جعله من المخضرمين الذين امتزجت في تجربتهم نكهة القديم بروح الجديد.
كان بشار يتميز بملكة شعرية فطرية، وسليقة صافية تجعل الشعر يتدفق على لسانه بيسر وعفوية، بعيدًا عن التكلف والصنعة المتكلفة. وقد اشتهر بحدة ذكائه وسرعة بديهته، وقدرته على الارتجال في شتى الأغراض الشعرية. كان شعره غزيرًا ومتنوعًا، حيث برع في الغزل الرقيق والعذري، كما كان فارسًا لا يُشق له غبار في الهجاء اللاذع الذي لا يخشى فيه أحدًا، وفي المدح الذي يُعلي من شأن الممدوح، والفخر الذي يصور فيه ذاته وقومه بقوة وعنفوان. لم يكتفِ بشار بتقليد الشعراء الأقدمين، بل أدخل تجديدات لافتة في الأساليب والموضوعات، ممهدًا الطريق لظهور خصائص الشعر العباسي الحديث، ويُقال إنه كان "أشعر المولدين" بإجماع كثير من النقاد والأدباء، ومنهم الجاحظ الذي أشاد بفحولته ومكانته المتفردة.
تجاوز تأثير بشار بن برد حدود البلاط وحلقات الأدباء، ليصل إلى عامة الناس، فقد كانت قصائده تُتغنى بها وتُردد على ألسنة المغنيات والندابات، مما يدل على سهولة شعره وجمال إيقاعه وقدرته على لمس الوجدان الشعبي. وعلى الرغم من مكانته الأدبية الرفيعة، فإن شخصيته الجريئة ولسانه السليط، إضافة إلى ما نُسب إليه من مجون وزندقة، أديا إلى نهايته المأساوية. فقد اتُهم في أواخر حياته بالزندقة – وهي تهمة كانت شائعة في ذلك العصر لكبح جماح بعض المفكرين والشعراء – فأمر الخليفة المهدي بجلده، وتوفي بشار متأثرًا بآثار الجلد في بغداد حوالي عام 168 هـ (784 م)، تاركًا خلفه ديوانًا حافلاً بالشعر الذي لا يزال يُدرس ويُستمتع به حتى اليوم، وشاهدًا على عبقرية شاعر كسر قيود التقليد وأرسى دعائم التجديد.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه بالطلاقة والعفوية وغزارة المعاني، مع قدرة فائقة على التصوير البديع رغم فقدانه البصر. جمع بين فصاحة القدماء وجزالة التعبير، وبين روح التجديد في الموضوعات والأساليب، فكان جسرًا يربط بين المدرستين، وبرع في الغزل والهجاء والمدح بأسلوب مؤثر وواضح.