السيرة الذاتية
يُعد أبو الحسن علي بن محمد بن فهد التهامي، المعروف بالتهامي، من الأعلام البارزة في سماء الشعر العربي إبان العصر العباسي، حيث نال تقدير معاصريه ومن جاء بعدهم، حتى نعته الإمام الذهبي بلقب "شاعر وقته"، مما يؤكد مكانته الرفيعة وقدرته الشعرية الفائقة. ورغم أن مولده ونشأته كانا في الديار اليمنية، إلا أن أصوله تعود إلى مكة المكرمة، المدينة المقدسة التي طالما كانت منبعاً للعلم والأدب.
أحاط التهامي نسبه بشيء من الغموض، فكان تارة ينتسب إلى العلويين وتارة أخرى إلى بني أمية، وهي ممارسة قد تعكس سعيه للحفاظ على مكانته أو التخفي في فترة سياسية مضطربة شهدت صراعات عديدة على السلطة والنفوذ. وقد مال التهامي إلى مذهب الاعتزال الفكري، وهو ما يعكس نزوعاً نحو التفكير العقلاني والفلسفي الذي طبع جانباً من شعره، وجعله يتناول قضايا وجودية عميقة بأسلوب رصين. تعددت أسفاره ورحلاته، حيث أقام في بلاد الشام لفترة، ثم شد الرحال إلى العراق حيث التقى بالصاحب بن عباد، الأديب والوزير المعروف، ما يدل على مكانته البارزة في الأوساط الثقافية والأدبية في زمانه. بعد عودته، تقلد منصب الخطابة في الجامع الكبير بالرملة، مما يشير إلى تمكنه اللغوي ومهاراته الخطابية.
توطدت علاقته بالوزير المغربي، فكان أحد أبرز مؤيديه وأنصاره في حملته وثورته ضد حكم الفاطميين بمصر، وهو ما يعكس انخراطه في الشأن السياسي في مرحلة حساسة من تاريخ المنطقة. انتهى المطاف بالتهامي إلى مصر، حيث انخرط في دوائر السلطة هناك، وبحسب ما أورده الباخرزي، تمكن من بسط نفوذه على بعض شؤونها وأموالها، لكن سرعان ما انقلب عليه بعض المقربين منه، فكان ذلك سبباً في وقوعه أسيراً. أُودع السجن في موضع عُرف بالمنسي، ويشير ابن خلكان، نقلاً عن يوميات مصرية مجهولة، إلى مصرعه في دار البنود بمصر، وهو المكان الذي كان يُخصص لإعدام المعارضين، وذلك في التاسع من جمادى الأولى عام 416 هجرياً، مما يرجح أن وفاته لم تكن طبيعية.
شُهر التهامي بقصائده التي تمزج بين الفخر والحكمة والرثاء، ويُعد ديوانه الشعري مرآة تعكس تجاربه المتنوعة وشخصيته المعقدة. من أبرز قصائده التي ذاع صيتها وتناقلتها الأجيال، تلك التي مطلعها: "حكم المنية في البرية جار"، وهي قصيدة فلسفية عميقة تتناول قضاء الموت وحتمية المصير، وتعد من روائع الشعر العربي في باب الرثاء والفلسفة الوجودية. وقد أشار ابن خلكان إلى أن هذه القصيدة تُصنف ضمن "القصائد المحدودة"، وهي تسمية كانت تُطلق على القصائد التي يُعتقد أن تلاوتها أو حفظها قد يجلب الضرر لصاحبها، ربما لعمقها الفلسفي وتشاؤميتها الظاهرية التي قد تؤثر في المتلقي، أو لكونها ارتبطت بحدث جلل. وتُروى في كتب الأدب نوادر من أخباره، ففي "نضرة الإغريض" يُذكر أن حسان الطائي أقطعه حماة مكافأة له على قصيدة مدحٍ أجاد فيها، مما يؤكد براعته في فنون الشعر المختلفة.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوب التهامي بجزالة اللفظ ورصانة المعنى وقوة البيان، مع ميل واضح إلى الحكمة والتأمل الفلسفي في شؤون الحياة والموت، وبروز فن الرثاء بشكل خاص. يتسم شعره بالعمق الفكري والقدرة على التعبير عن المعاني العميقة بأسلوب أدبي رفيع.