السيرة الذاتية
تُعد ليلى بنت الأَحْوص بن عمرو بن ثعلبة الكلبي، المعروفة بلقبها "أم بسطام الشيباني"، من الشخصيات النسائية اللافتة التي سطعت حكمتها ورصانة رأيها في غياهب العصر الجاهلي. لم تكن مجرد سيدة تحمل لقب أم لأحد فحول الفرسان والشعراء العرب، وهو بسطام بن قيس الشيباني، بل كانت ذات بصيرة ثاقبة وشخصية قوية تفرض احترامها، وتركَت خلفها أثراً شعرياً يدل على صدق عاطفتها وعمق فجيعتها.
برزت مكانتها ودورها المحوري في إحدى أبرز حوادث العصر الجاهلي، حينما وقع ابنها بسطام، الفارس المغوار، في أسر عتيبة بن الحارث اليربوعي خلال "يوم فلج"، وهي إحدى وقائع العرب التي شهدت صراعات قبلية محتدمة. في موقف يبرهن على حبها العظيم لابنها ومكانتها الاجتماعية المرموقة التي مكنتها من جمع المال، قامت ليلى بفدائه بثلاثمئة بعير، مستخلصة إياه من أغلال الأسر، وهو ما يُعد إنجازاً عظيماً يعكس نفوذها وقدرتها على الفعل في زمن كان الرجال فيه هم السادة المطلقون.
ولم تقتصر حكمتها على تدبير الأمور المعقدة كفداء الأسرى، بل امتدت لتشمل نصح ابنها في أموره الشخصية والعسكرية. ففي حوار يُحكى عنها، أراد بسطام أن يضم إلى خدمتها جارية من بني ضبة إتمامًا لما بدأه من إحضار جوارٍ من كل قبيلة، إلا أن أم بسطام، بنظرتها الثاقبة ومعرفتها بدقائق الطباع القبلية، حذرته بشدة قائلة: "لا تفعل، فإن بني ضبة حيٌّ لا يَسْلَمُ ولا يغنَمُ مِنْهُمْ مَن غَزاهُم". كانت تلك نبوءة صادقة تحذره من عواقب وخيمة. لكن بسطام، في غمرة شبابه وثقته بنفسه، لم يستجب لنصيحة والدته الحكيمة، وغزا بني ضبة، فلقي حتفه على أيديهم، مؤكداً بذلك صحة رأيها وقوة بصيرتها.
بعد فجيعتها بابنها، خلَّفت أم بسطام مراثٍ شعرية مؤثرة، تفيض حزناً وألماً، وتُعتبر من الشواهد الأدبية التي تصور عمق مشاعر الأمومة في الثقافة العربية الجاهلية. تلك الأبيات ليست مجرد تعبير عن الفقد، بل هي وثيقة تاريخية وإنسانية تسجل موقفاً عصيباً وتكشف عن موهبة شعرية حقيقية، مؤكدةً بذلك أن نساء الجاهلية كن يمتلكن صوتاً أدبياً وفصاحة تعادل فصاحة الرجال في التعبير عن أفراحهم وأتراحهم. وبذلك، تظل أم بسطام نموذجاً للمرأة العربية الحكيمة ذات الرأي، والوفية لابنها، والشاعرة المعبرة عن ألم الفقد.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبها الشعري بالعاطفة الصادقة والعميقة، خصوصاً في رثاء ابنها، حيث تبرز الفجيعة والألم بعبارات بليغة ومباشرة، تعكس صدق المشاعر وقوة الارتباط الأمومي.