السيرة الذاتية
وُلد سليم بن روفائيل بن جرجس عنحوري في دمشق عام 1840، وفيها اختتم مسيرة حياته عام 1917، ليترك خلفه إرثاً أدبياً وثقافياً غزيراً يجسّد سمات عصر النهضة العربية. كان عنحوري أديباً وشاعراً ومحامياً وصحفياً مرموقاً، وساهم بفعالية في الحراك الفكري الذي شهدته المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. تميزت حياته بالنشاط الدؤوب والبحث عن المعرفة، مما أهّله ليصبح لاحقاً عضواً في المجمع العلمي العربي. كان عنحوري شخصية متعددة المواهب، جسدت بحق روح المثقف المستنير الذي يسعى إلى التغيير والتنوير عبر مختلف السبل المتاحة في عصره.
في فترة شبابه، تقلد عنحوري عدداً من الوظائف الإدارية التي صقلت خبراته العملية. كانت نقطة التحول في مسيرته رحلته إلى مصر عام 1878، حيث التقى بشخصيات محورية في المشهد الثقافي والسياسي آنذاك، أبرزهم السيد جمال الدين الأفغاني، رائد الفكر الإصلاحي، كما أتاح له هذا السفر الاحتكاك بالخديوي إسماعيل. استثمر عنحوري هذه الفرصة ليدخل عالم الصحافة والنشر، فأسس مطبعة "الاتحاد" وصحيفة "مرآة الشرق"، في خطوة ريادية تعكس طموحه ورؤيته لدور الكلمة المطبوعة في نشر الوعي، على الرغم من أن مشروعه الإعلامي هذا لم يدم طويلاً، لظروف تتعلق بالرقابة أو التمويل.
بعد عودته إلى مسقط رأسه دمشق، لم يتوقف عنحوري عن سعيه للمعرفة؛ فقد اتجه إلى دراسة الحقوق بتعمق، ثم احترف مهنة المحاماة نحو عام 1890، ليجمع بذلك بين البراعة الأدبية والعمق القانوني. استمر شغفه بالصحافة، فدأب على قضاء فصول الشتاء في القاهرة، حيث أصدر مجلة "الشتاء" التي كانت منبراً لأفكاره ومقالاته ومشاركات أدبية أخرى. عُرف عنحوري بهمته العالية وقدرته الفائقة على العمل، حيث كان يروي أنه لم ينم أكثر من ثلاث ساعات يومياً على مدى عقود، وكانت بناته يتناوبن على مساعدته في تدوين نتاجه الغزير من شعر ونثر، ما يشير إلى التزامه المطلق بقضية الأدب والفكر.
شملت مؤلفاته دواوين شعرية عديدة مثل "كنز الناظم ومصباح الهائم" و"آية العصر" و"الجوهر الفرد" و"سحر هاروت" و"بدائع ماروت"، مما يؤكد غزارة إنتاجه الشعري وتنوعه في الأغراض والموضوعات. كما تناول مواضيع غير شعرية في كتب مثل "كتاب الجن عند غير العرب"، ونشر مقالات في "حديقة السوسن" ضمن مجلات عصره. ولم يغفل عنحوري السرد الأدبي، فكتب القصة الغرامية "الانتقام العادل" وترجم رواية "أشيل" عن الفرنسية بتصرف وأضاف إليها الأشعار، مجسداً بذلك قدرته على التفاعل مع الآداب العالمية. وتكشف أعماله المخطوطة، مثل "عكاظ" و"الخالدات" التي جمعت مقالاته في السياسة والأدب والاجتماع، عن اتساع اهتماماته وعمق رؤاه في قضايا عصره. وبهذا التنوع والالتزام، رسخ سليم عنحوري مكانته كأحد أبرز المثقفين الذين أسهموا في تشكيل المشهد الأدبي والفكري العربي الحديث، ممهداً الطريق للأجيال اللاحقة في عصر النهضة وما بعده.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوب عنحوري الشعري بالغزارة والتنوع في الأغراض، من القصائد الطويلة إلى المنظومات، مع ميل إلى الأسلوب الكلاسيكي المتين الذي ينهل من التراث، ويجمع بين رصانة اللغة وسلاسة التعبير في معالجة القضايا الاجتماعية والوجدانية.