السيرة الذاتية
نذير العظمة (1930 – 27 يناير 2023)، أديب وشاعر وناقد سوري مرموق، يُعدّ واحدًا من أبرز المجددين في مسيرة الشعر العربي الحديث، ومؤسسًا لتيارات تجديدية عميقة، لاسيما في ابتكاره لنموذج "القصيدة المدوّرة". وُلد العظمة في مدينة دمشق، الشاهدة على بدايات مساره الثقافي والفكري، لتبدأ رحلته الأكاديمية بتخرجه من كلية الآداب بجامعتها عام 1950، وهي مرحلة أسست لوعيه النقدي وذائقته الأدبية.
لم تقتصر مسيرته على التعليم الجامعي في دمشق، بل سعى نحو تعميق معارفه في الغرب، فحصل على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي عام 1965، ثم الدكتوراه في فلسفة الأدب من جامعة بورتلاند بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1969. هذه الخلفية المتعددة اللغات والثقافات أثرت تجربته الإبداعية والنقدية، ومكنته من مقاربة الأدب العربي برؤى متفتحة على التجارب العالمية. تنقل في حياته المهنية بين التدريس في جامعات أمريكية عدة، وعاد ليُسهم في المشهد الأكاديمي العربي أستاذًا للأدب الحديث والمقارن في جامعة الملك سعود بالرياض، مما يعكس اتساع نطاق تأثيره الجغرافي والأكاديمي.
لم يكن نذير العظمة مجرد أكاديمي أو شاعر معتزل، بل كان فاعلًا حيويًا في المشهد الثقافي. فقد شارك بفعالية في تأسيس مجلة "شعر" البيروتية الرائدة عام 1957، التي كانت منبرًا رئيسيًا لحركة الحداثة الشعرية في العالم العربي، كما أسهم في إطلاق مجلة "الأدب الحديث" باللغة الإنجليزية، مما يدل على انفتاحه على الثقافات الأخرى. وتولى رئاسة تحرير صحيفة "البناء"، وقدم استشارات لوزارة الثقافة السورية، مما يبرز انخراطه في الشأن العام. عرف بانتمائه الفكري للحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو ما يعكس التزامه بقضايا قومية وسياسية أثرت في رؤاه وأعماله.
تتجلى بصمته الأدبية الأعمق في تطويره لنمط "القصيدة المدوّرة"، وهو أسلوب شعري مميز يوازن بين الالتزام بالوزن العروضي التقليدي والتحرر من قيود القافية الموحدة، مقدماً بذلك جسراً فريداً بين أصالة التراث الشعري العربي وضرورات التجريب والحداثة. استمد العظمة إلهامه في صياغة قصائده من غنى الفلكلور والتراث الأسطوري العربي والعالمي، بالإضافة إلى عمق التجربة الصوفية، مانحًا نصوصه بعدًا رمزيًا وفنيًا غنيًا يثير التأمل ويفتح آفاقًا جديدة للمعنى. هذه الرؤية المتكاملة جعلت من شعره تجربة فريدة في سياق الشعر العربي المعاصر.
خلف نذير العظمة مكتبة أدبية غنية تجاوزت الخمس والخمسين عملًا، تشمل الدواوين الشعرية والنقد الأدبي والترجمة والأعمال المسرحية، مما يؤكد غزارة إنتاجه وتنوع اهتماماته. من أبرز مجموعاته الشعرية "عتابا" (1952)، و"جرحوا حتى القمر" (1955)، و"اللحم والسنابل" (1957)، و"أطفال في المنفى" (1960)، و"الخضر ومدينة الحجر" (1979)، و"طائر الرعد" (1993). لم تكن حياته خالية من الصعاب؛ فقد تعرض لمحاكمات سياسية خلال خمسينيات القرن الماضي، ما اضطره للمغادرة قسرًا، متنقلًا بين المنفى داخل سوريا ولبنان قبل أن يستقر به المطاف في الولايات المتحدة، حيث واصل عطاءه الفكري والأكاديمي لسنوات طويلة. رحل العظمة في مطلع عام 2023، تاركًا بصمة لا تُمحى في سجل الشعر العربي الحديث، وميراثًا فكريًا يُحتفى به لتجدده وعمقه.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه بتجديد جذري في شكل القصيدة، لا سيما عبر "القصيدة المدوّرة" التي جمعت بين الوزن العروضي والتحرر من القافية التقليدية. استلهم من الفلكلور والأسطورة والتصوف، مما منح شعره عمقًا رمزيًا وبُعدًا فلسفيًا، مع الحفاظ على جزالة اللفظ وقوة التعبير.