السيرة الذاتية
مرسي خورشيد محمد شاكر الطنطاوي، أديب وشاعر ومربٍ مصري بارز، وُلد عام 1883 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، وشاء القدر أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في مدينة بنها عام 1973، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والأدبي. نشأ الطنطاوي في كنف بيئة ثقافية وعلمية مكّنته من التحصيل المبكر؛ إذ حفظ كتاب الله الكريم في ريعان شبابه وتلقى علوم اللغة العربية وأصولها على يد والده، مما أسس لديه ملكة لغوية راسخة. لم يقتصر تعليمه على الجانب الشرعي واللغوي فحسب، بل اتجه نحو اكتساب اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية، وبرع فيهما، وتُوّج مساره التعليمي بحصوله على شهادة البكالوريا، مما فتح له آفاقًا واسعة في ميادين العمل الحكومي والتربوي.
انطلق الطنطاوي في حياته العملية موظفًا ثم معلمًا، متنقلاً بين عدد من المدارس قبل أن يتخذ خطوة ريادية في مدينة بنها؛ حيث أسس أول مدرسة خاصة تحمل اسمه، شكلت نموذجًا تربويًا يحتذى به. ولم تتوقف طموحاته التعليمية عند هذا الحد، بل تجسدت رؤيته المستنيرة تجاه النهوض بالمجتمع في تأسيس أول مدرسة ابتدائية لتعليم الفتيات بالمدينة عام 1909، في زمن كان تعليم المرأة فيه لا يزال يواجه تحديات جمة، مما يؤكد دوره الريادي في دعم قضايا النهضة النسوية وتنوير المجتمع.
لم يكن الطنطاوي مجرد مربٍ أو شاعر، بل كان مفكرًا وناشطًا اجتماعيًا وسياسيًا بامتياز. أسهم بقلمه وفكره في تحرير جريدة "البشرى" التي أسسها شقيقه حسن، فكان منبرًا لنشر آرائه وتوجهاته. كما كان له دور فاعل في تأسيس جمعيات ذات بعد ديني وثقافي واجتماعي، منها جمعية الشبان المسلمين والرابطة الإسلامية، حيث عمل على نشر الوعي الديني والثقافة الإسلامية. ولإيمانه العميق بدور الثقافة في بناء المجتمعات، أسس "جمعية زهرة الثقافة" التي ظلت تنبض بالحياة والنشاط لمدة خمسة وعشرين عامًا، و"جمعية تعمير المساجد" التي عكست اهتمامه بالجوانب الروحية والمجتمعية.
يُعد مرسي شاكر الطنطاوي صاحب رصيد شعري وافر، تناول فيه قضايا عصره المتنوعة؛ فامتدت دواوينه لتشمل موضوعات دينية، ووطنية، واجتماعية، أبرزها "نفحات الربيع"، و"جلالة الملك فاروق"، و"فلسطين" الذي يعكس اهتمامه بالقضية العربية، بالإضافة إلى "في مسبح الأفلاك" و"صحائف الدمع". كما كتب ملاحم شعرية تستلهم التاريخ والشخصيات البارزة، مثل "فتح البديع في مدح الشفيع" و"شهادة الأيام في قضية الإمام" و"مسرح العين في موكب الحسين"، مما يدل على عمق اطلاعه وتنوع اهتماماته. وقد شق طريقه نحو القراء عبر كبريات الصحف والمجلات المصرية آنذاك، مثل "الأهرام" و"المقطم" و"المؤيد" و"اللواء" و"الدستور" و"روز اليوسف"، مما أتاح لشعره انتشارًا واسعًا وتأثيرًا ملموسًا. اتسم أسلوبه الشعري بالمتانة البلاغية والجزالة اللفظية، مع ميل واضح إلى القافية الموحدة وطول القصائد، مستلهمًا في ذلك الأساليب التقليدية للشعر العربي، بينما تناول في مضمونه مواضيع معاصرة مثل المديح النبوي، والحكمة، والدفاع عن القضايا الوطنية.
رحل الطنطاوي عن عالمنا في بنها عام 1973، مخلفًا وراءه إرثًا أدبيًا وتربويًا وعامًا ثريًا، يبرز كنموذج للمثقف المصري الموسوعي الذي لم يكتفِ بالتأليف، بل ساهم بفعالية في صياغة الوعي الجمعي من خلال التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي، تاركًا بصمة خالدة في سجل الأدب العربي الحديث ونهضته.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه الشعري بالمتانة البلاغية والجزالة اللفظية، مع ميل واضح إلى استخدام القافية الموحدة وطول القصائد، متأثرًا بالتقاليد الكلاسيكية للشعر العربي، بينما تناول مواضيع معاصرة مثل المديح النبوي، والحكمة، والقضايا الوطنية والاجتماعية.