السيرة الذاتية
مهيار بن مرزويه الديلمي، الشاعر البغدادي الشهير وكنيته أبو الحسن، يُعدّ واحداً من أبرز شعراء العصر العباسي المتأخر، وُلِدَ حوالي عام 379 هـ (990 م). يعود نسبه إلى بلاد الديلم، وهي منطقة جبلية تقع جنوب جيلان على بحر قزوين، مما يشير بوضوح إلى جذوره الفارسية العميقة التي أثرت في تكوينه الثقافي والأدبي. اتخذ بغداد، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك ومركز الثقافة والأدب، موطناً له، حيث استقر في درب رباح بمنطقة الكرخ. ولعله كان يعمل كاتباً، وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أنه شغل وظيفة الترجمة عن الفارسية في بلاط بغداد، مما يعكس تميزه اللغوي والثقافي وقدرته على التواصل بين العوالم المعرفية المختلفة.
تُبرز سيرة مهيار الديلمي تحولاً جذرياً في معتقده الديني؛ فقد كان في بداية حياته يعتنق المجوسية، ثم اعتنق الإسلام عام 394 هـ (1004 م) خلال فترة تزايد النفوذ البويهي الشيعي في بغداد. يُروى أن إسلامه كان على يد الشريف الرضي، العلَم البارز في الأدب والشعر والنسب الحسيني، الذي أصبح أستاذه وملهمه. تحت إشراف الرضي، تفتحت مواهب مهيار الشعرية، وتتلمذ على يديه في فنون البلاغة والأدب، فنهل من معينه العذب وتأثر بأسلوبه الرفيع. كان هذا التحول نقطة فاصلة لم تغير مسار حياته الروحية فحسب، بل وجهت أيضاً مضامين شعره بوضوح نحو قضايا الإسلام والولاء لأهل البيت.
يُعرف مهيار بقوّة أسلوبه وجزالة ألفاظه، وابتكاره للمعاني التي تُعدّ من سمات شعره البارزة. وقد أثنى عليه النقاد قديماً، فوصفه الزبيدي بـ "شاعر زمانه"، وأشار الحر العاملي إلى قدرته الفذة على الجمع بين فصاحة العرب ورونق معاني العجم، مما أكسب قصائده عمقاً وبعداً جديداً. ومع تبنيه المذهب الشيعي، الذي غلا فيه بعض الشيء ودافع عنه بحماس، صار يستخدم شعره منبراً لموالاة أهل البيت والتعبير عن رؤاه، حتى أنه تطرق في بعض قصائده إلى نقد الصحابة، وهو ما جرّ عليه انتقادات شديدة من معاصريه، كما يتضح من موقف أبي القاسم ابن برهان الذي عاتبه على هذا التوجه. ورغم هذه الجدليات التي أحاطت بشخصه، فإن مكانته كشاعر متمكن لا تُنازع.
خلف مهيار الديلمي ديوان شعر ضخماً يُعدّ مرجعاً مهماً لدراسة شعره وتطوره. وقد كان هذا الديوان يُقرأ على العامة في جامع المنصور ببغداد أيام الجمع، مما يدل على شهرته وتأثيره الواسع في عصره، ومما عكس مكانته الأدبية والدينية في آن واحد. يتكون ديوانه من أربعة أجزاء مطبوعة، ويحتوي على قصائد متنوعة في الأغراض، تتراوح بين المدح والرثاء والغزل والهجاء والفخر، بالإضافة إلى القصائد التي تعكس مذهبه الشيعي بوضوح. تُوفي الشاعر في بغداد عام 428 هـ (1037 م)، تاركاً وراءه إرثاً شعرياً غنياً لا يزال يُدرس ويُحلل حتى اليوم، وقد حظي باهتمام الباحثين، حيث ألف السيد علي الفلال كتاباً خصيصاً لدراسة شعره بعنوان "مهيار الديلمي وشعره".
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه بالقوة والجزالة والابتكار في المعاني، مع قدرة فريدة على المزج بين البيان العربي وجمالية الرؤى الفارسية. اتسم شعره بالصدق العاطفي، وخدم بوضوح أفكاره العقائدية الشيعية، متضمناً المدح والرثاء والغزل والفخر، بالإضافة إلى ميل نحو المعاني الفلسفية.