السيرة الذاتية
ولد الشيخ مهدي بن داود بن سلمان بن داود الحجار، أحد أبرز الوجوه الأدبية في العراق خلال النصف الأول من القرن العشرين، في عام 1900 ميلادية (الموافق لعام 1322 هجرية) بناحية الحيرة التابعة إداريًا لمحافظة النجف الأشرف. ترعرع الحجار في مدينة النجف، التي كانت آنذاك مركزًا حضاريًا وعلميًا نابضًا، حيث نهل من ينابيع العلم والمعرفة مبكرًا. لفت الانتباه إلى موهبته الشعرية الفذة منذ صباه، إذ شرع في نظم القصائد قبل بلوغه الخامسة عشرة من عمره، متجليًا بذكائه الحاد وقدرته على الارتجال الشعري والظرافة التي ميزت شخصيته وأسلوبه.
تنتمي عائلة الحجار إلى عشيرة الجبور العريقة في العراق. يروي التاريخ العائلي أن جده، سلمان، كان من أتباع المذهب الوهابي قبل أن ينتقل إلى الكوفة ويتحول إلى المذهب الشيعي الإمامي، وهي نقطة تحول أثرت في مسار العائلة الروحي. في الكوفة، وُلد والده داود، الذي عُرف باحترافه لمهنة استخراج وبيع الأحجار من آثار الحيرة القديمة، ومن هنا استمدت الأسرة لقب "الحجار" الذي لازمها وأصبح علامة فارقة في نسبها. تلقى مهدي الحجار تعليمه الديني والأدبي على أيدي كبار العلماء والفقهاء في النجف، فدرس أصول الفقه والمنطق وعلوم الأصول على يد أعلام مثل آية الله أحمد كاشف الغطاء والشيخ عبد الكريم الجزائري، كما تتلمذ على الشيخ حسون الجابري، مما صقل ملكته الفقهية والأدبية.
لم يقتصر دور الحجار على طلب العلم فحسب، بل اتسع ليشمل نشر المعرفة والإرشاد. انتقل إلى مدينة البصرة حيث اضطلع بدور المرشد الديني والعلمي، وشكل منزله فيها ملتقىً ثقافيًا وأدبيًا بامتياز. استضاف مجلسه نخبة من الأدباء والشعراء، وتحول إلى منبر للمناقشات الأدبية وحل النزاعات الفكرية، ما جعله مرجعًا يحتج به في الأوساط الثقافية. كان الحجار من دعاة التجديد والتقدم في الفكر والمجتمع، وتجلى ذلك في شعره الإصلاحي الذي دعا إلى النهضة والتطور، كما قام بتعليم فنون الشعر لعدد من الشباب الطموح، كان منهم الأديب محمد جواد السهلاني.
تميزت قريحة الحجار الشعرية بتنوعها وعمقها، فقد شمل ديوانه موضوعات مختلفة كـ "الخمريات" التي تتسم بالرقة والعذوبة، و"الوطنيات" التي تعبر عن حبه لوطنه ودعوته للنهوض، إضافة إلى "الموشحات" التي تناول فيها القضايا العقائدية بأسلوب فني فريد. لم يقتصر إبداعه على الشعر، بل امتد ليشمل النثر، فقدم مؤلفات قيمة مثل "شيعة الهدى" الذي جاء نقدًا لكتاب "موسى جار الله"، ومنظومته "البلاغ المبين" التي عرض فيها المعارف الدينية بأسلوب شعري تعليمي، وأرجوزة في "حديث الكساء"، وكتاب "فوز الدارين في نقض العهدين"، مما يعكس سعة اطلاعه وعمق ثقافته.
في أواخر أيامه، داهمت الشيخ مهدي الحجار حمى شديدة لم يتمكن الأطباء من معالجتها، فوافته المنية في البصرة عام 1939 ميلادية (الموافق لعام 1358 هجرية) عن عمر ناهز التاسعة والثلاثين. وقد نُقل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف، حيث شيعه جمع غفير وصلى عليه المرجع الديني الكبير أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، ثم ووري الثرى في مقبرة وادي السلام الشهيرة، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا وفكريًا يشهد على مكانته كشاعر وفقيه وأديب متميز في تاريخ العراق الحديث.
الأسلوب الشعري
اتسم أسلوبه الشعري بالظرافة وروح الارتجال، وتنوعت أغراضه بين الخمريات الرقيقة والوطنيات المفعمة بالدعوة للنهضة، إضافة إلى الموشحات العقائدية. كان داعية للتجديد والتقدم، مما انعكس في شعره الإصلاحي الواضح.