السيرة الذاتية
كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي، الشهير بلقبه الذي لا يكاد ينفصل عن اسمه، "كثير عزة"، كان أحد أبرز شعراء الغزل العذري في صدر الدولة الأموية. وُلد هذا الشاعر الفحل في المدينة المنورة قرابة العام 40 للهجرة الموافق 660 للميلاد، ونشأ فيها، منتميًا إلى بني مليح من قبيلة خزاعة، مما أكسبه لقبًا آخر هو "الملحي". كان عصره يمثل ذروة ازدهار الشعر الأموي، حيث تنوعت أغراضه بين الغزل الفاضح والغزل العفيف، وكثير عزة كان بلا شك رائدًا للتيار الأخير.
محور حياة كثير الأدبية، بل وحياته الشخصية، تمثل في عشقه الأبدي لـ"عزة بنت جميل الضمرية". لم يكن هذا الحب مجرد نزوة عابرة، بل كان متيمًا، عميقًا، يتجاوز المألوف ليجسد أسمى معاني العفة والوفاء في الحب العذري الذي اشتهرت به بعض القبائل العربية آنذاك. فقد ظل كثير، على الرغم من عذابات الوصال وانقطاعه، وفيًا لذكراها ومشاعرها، لا يرجو منها غير الرضا واللقاء المعنوي. تُروى عنه عبارة مؤثرة تعكس جوهر هذا العشق النقي: "ما نلت من عزة شيئًا، غير أني كنت إذا اشتد بي الأمر أخذت يدها، فإذا وضعتها على جبيني وجدت لذلك راحة". هذا الحب العفيف هو ما صاغ معظم شعره وجعله خالدًا في ذاكرة الأدب العربي.
لم تقتصر حياة كثير عزة على مسقط رأسه الحجاز؛ فقد أقام فترة ليست بالقصيرة في مصر، حيث تركت رحلاته أثرًا في شعره ومسيرته. كما كانت له صلات بالبلاط الأموي، فقد وفد على الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي يُروى أنه استخف به في بادئ الأمر بسبب هيئته الجسدية، فقد كان صغير الجسم وقليل الجمال. إلا أن براعته الشعرية وفصاحة لسانه سرعان ما أبدلت نظرة الخليفة، فأكرمه وقرّبه إليه وإلى سائر بني مروان. هذه الرعاية الملكية لم تؤثر على عذوبة شعره وصدق عاطفته، بل ربما وفرت له بيئة سمحت له بمواصلة إبداعه. كان كثير يُعد، بشهادة معاصريه، "شاعر أهل الحجاز" بلا منازع، متفوقًا في شهرته ومكانته على كثيرين.
يتميز شعر كثير عزة برقة الألفاظ، وصدق المشاعر، وسلاسة الأسلوب، مع ميل إلى الوصف الدقيق للحالات النفسية والعاطفية، مما جعله نموذجًا يحتذى به في الغزل العذري. ورغم مكانته الأدبية الرفيعة، لم تخلُ مسيرة حياته من بعض الجدل؛ فقد نُسبت إليه اتهامات بالتشيع، وهي تهمة كانت شائعة في ذلك العصر لتمييز بعض الشخصيات، كما أُشيع عنه اعتقاده بالتناسخ، بل قيل إنه كان يعتقد في كونه يونس بن متى. هذه الأقاويل، سواء كانت حقيقية أو مجرد افتراءات، لم تؤثر جوهريًا على قيمته الشعرية أو خلود أعماله. تُوفي كثير عزة في المدينة المنورة عام 106 للهجرة الموافق 723 للميلاد، تاركًا وراءه ديوانًا شعريًا مطبوعًا يعد مرجعًا أساسيًا لدراسة الغزل العذري، إضافة إلى كتاب "أخبار كثير" الذي جمعه الزبير بن بكار، والذي يوثق حياته وشعره. لقد بقي اسمه مقترنًا بـ"عزة" حتى باتا رمزًا من رموز الحب العفيف في تاريخ الأدب العربي.
الأسلوب الشعري
تميز شعره بالرقة والصدق العاطفي، والسلاسة اللغوية، مع التركيز على وصف مشاعر الحب العذري والوفاء للمحبوبة.