السيرة الذاتية
وُلِدَ عبد الرحمن بن محمد بن محمد، المعروف بابن خلدون، والذي لُقِّبَ بأبي زيد وولي الدين الحضرمي الإشبيلي، في تونس عام 732هـ الموافق 1332م، ليُصبح فيما بعد أحد أبرز العقول الفذة في تاريخ الحضارة الإسلامية والعالمية. تنحدر أصول أسرته من إشبيلية بالأندلس، من قبيلة وائل بن حجر العريقة، والتي استقرت في شمال أفريقيا بعد سقوط حاضرتهم الأندلسية، مما صبغ نشأته الأولى بمزيج من الثقافات والحضارات التي شكلت لاحقًا رؤيته الفكرية.
تلقى ابن خلدون تعليمه الأول في تونس، حيث نهل من مختلف العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، إلا أن طموحه المعرفي والسياسي دفعه إلى ارتياد آفاق جديدة. انخرط في الحياة السياسية والإدارية مبكرًا، متنقلاً بين بلاط الملوك والسلاطين في فاس وغرناطة وتلمسان والأندلس، حيث تولى مناصب رفيعة كالكتابة والوزارة والقضاء، لكن تلك الرحلات لم تخلُ من دسائس ومؤامرات سياسية ألقت بظلالها على مسيرته. كان ابن خلدون يتمتع بذكاء حاد، وفصاحة لسان، وهيبة تجعله محط الأنظار والاحترام، وهو ما أهّله للتفاوض وتمثيل الدول في أحلك الظروف.
بعد فترة مضطربة في بلاد المغرب والأندلس، حط ابن خلدون رحاله في مصر، وتحديداً في عاصمة المماليك القاهرة عام 784هـ، حيث استُقبِل بحفاوة بالغة من السلطان الظاهر سيف الدين برقوق، وعُين قاضيًا للمالكية. وعلى الرغم من علو شأنه في مصر، إلا أنه حافظ على هويته المغربية متمسكًا بزي بلاده. تعرّض خلال فترة قضائه للعزل وإعادة التعيين عدة مرات، في مشهد يعكس التقلبات السياسية آنذاك، واستمر في العطاء العلمي والقضائي حتى وافته المنية بالقاهرة سنة 808هـ الموافق 1406م.
يُعد "كتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" تحفته الكبرى، ويتألف من سبعة مجلدات، ويُعتبر من أمّهات المراجع في التاريخ الإسلامي. غير أن أبرز ما في هذا العمل هو الجزء الأول منه، والذي عُرف باسم "المقدمة"، حيث أرسى فيه قواعد علم الاجتماع الحديث وعلم العمران البشري، بأسلوب لم يسبق له مثيل. حلّل ابن خلدون الظواهر الاجتماعية، كالدول والدولاب الحضاري، مستخدماً منهجاً فريداً يجمع بين التحليل الفلسفي والتجربة الواقعية، وقدّم نظريات رائدة مثل مفهوم "العصبية" ودورها في نشأة الدول وانهيارها، مما جعله سابقاً لعصره بقرون. وقد تُرجمت "المقدمة" إلى لغات عالمية عديدة، ولا تزال محط دراسة واهتمام في الأوساط الأكاديمية.
لم تقتصر إسهامات ابن خلدون على التاريخ وعلم الاجتماع فحسب، بل شملت مؤلفات أخرى في المنطق والحساب والفقه، فضلاً عن "التعريف بابن خلدون، ورحلته غربًا وشرقًا" الذي يعد سيرته الذاتية وتأملاته الشخصية. لقد ترك ابن خلدون بصمة لا تُمحى في الفكر الإنساني، فكان علماً في التأريخ وفلسفته، ومؤسسًا لعلم جديد، ومجدداً للنظر في الحضارات وعللها، وظل تأثيره ممتدًا عبر العصور، حيث ألهم العديد من المفكرين والباحثين، محلياً وعالمياً، الذين درسوا أعماله بعمق، وأبرزوا مكانته كأحد أعظم بناة الفكر الإنساني.
الأسلوب الشعري
اشتهر بأسلوبه النثري الرصين والتحليلي في الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، مع وجود بعض الأشعار المنسوبة إليه.