السيرة الذاتية
يُعد الشاعر المصري أحمد مُحرَّم (1877-1945) من أبرز الأصوات الشعرية التي ارتبطت بالقضايا الوطنية والقومية والإسلامية في مطلع القرن العشرين. ينحدر محرم، واسمه الكامل أحمد مُحرَّم بن حسن بن عبد الله الشركسي، من أصول شركسية، وقد وُلد في قرية إبيا الحمراء التابعة لمركز الدلنجات بمحافظة البحيرة عام 1877. اتسمت نشأته بالتشبع بالثقافة العربية الإسلامية الأصيلة؛ فقد عُني بقراءة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وحفظ الحديث الشريف، وأتقن الشعر والأدب السائد في عصره، وهو ما شكل وعيه الفكري والأدبي ووجه بوصلة إبداعه.
على عكس كثير من شعراء جيله الذين اتجهوا نحو عواصم الفكر والأدب، فضَّل أحمد محرم البقاء في دمنهور، عاصمة محافظة البحيرة، محافظاً على ارتباطه الوثيق ببيئته المحلية، لكن ذلك لم يحد من تأثيره أو حضوره. فقد كان بيته وقهوة المسيري بدمنهور ملتقى ثقافياً يرتاده كبار المفكرين والشعراء من البحيرة والإسكندرية، حيث عُرف عنه التزامه بقضايا أمته العربية والإسلامية. شهدت حياته أحداثاً مفصلية في تاريخ مصر الحديث، مثل حادثة دنشواي وثورة 1919، وعاصر قامات وطنية مثل مصطفى كامل وسعد زغلول، متأثراً بهم وملهمًا بشعره الوطني الثائر.
يُصنَّف أحمد محرم ضمن رواد مدرسة الإحياء والبعث الشعرية، التي ضمت عمالقة مثل محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم. وقد سعت هذه المدرسة إلى استعادة قوة الشعر العربي وبهائه بعد فترة من الركود، ونهض محرم بهذه المهمة ببراعة. تميز شعره بدعوته للإصلاح الاجتماعي والوحدة الوطنية، خاصة بعد اغتيال بطرس غالي باشا، حيث دعا إلى قيم التسامح والمحبة بين المصريين، ونبذ الفتن. كما كان من أشد المدافعين عن فكرة الجامعة الإسلامية، مسانداً الخلافة العثمانية وناقداً بشدة الدعوات الانفصالية القومية التي رأى فيها خدمة للمصالح الاستعمارية البريطانية والفرنسية. وفي أعقاب وعد بلفور عام 1917، تصدر صفوف الشعراء الذين حركوا الوجدان العربي والإسلامي للدفاع عن فلسطين، مجسداً ذلك في قصائده الملتهبة، أبرزها "نكبة فلسطين".
تُعد ملحمته الشعرية "مجد الإسلام"، المعروفة بـ "الإلياذة الإسلامية"، تتويجاً لمسيرته الإبداعية وأهم أعماله على الإطلاق. نظم محرم هذه الملحمة في نحو ثلاثة آلاف بيت، مصوراً سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبطولات الإسلام منذ نشأته، ملتزماً بالتسلسل الزمني للوقائع والمعارك والغزوات بتصوير واقعي يخلو من المبالغة. وعلى الرغم من نشر أجزاء منها في صحف ومجلات بارزة كـ "البلاغ" و"الفتح" و"الأزهر" في حياته، إلا أنها لم تُطبع كاملة إلا بعد وفاته في القاهرة عام 1963. نال محرم تقديراً واسعاً في حياته، فحصل على شهادة الامتياز من لجنة التحكيم في عيد جلوس الخديوي عباس حلمي عام 1916، إلى جانب جوائز أخرى، قبل أن يتوفى في الثالث عشر من يونيو عام 1945.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه بالرصانة والجزالة، متأثراً بالشعر العربي القديم في صياغته وقوة بيانه، مع اهتمام بالغ بقضايا أمته. كان شعره يجمع بين الفخر بالماضي الإسلامي العريق والدعوة إلى اليقظة والوحدة، مستخدماً لغة واضحة وقوية تهدف إلى التأثير في الوجدان العام وتوجيه الرأي.