السيرة الذاتية
آدم فتحي، قامة أدبية تونسية متعددة المواهب، ولد في قرية أم الصمعة التي تتبع إدارياً ولاية قبلي حالياً، ويُعرف بمسيرته الثرية التي جمعت بين الشعر الملتزم والعاطفي، والترجمة الأدبية والفكرية الرصينة، والكتابة الغنائية المؤثرة. بدأت بصماته تظهر جلية في الساحة الثقافية العربية خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث ارتبط اسمه بتيار الشعر الملتزم، وهو اتجاه أدبي تميز بالتعبير عن قضايا الأمة والعدالة الاجتماعية، وقد تجلى ذلك في تعاونه البارز مع "فرقة البحث الموسيقي" التي كانت تحتضن هذا التوجه.
مع مطلع التسعينيات، شهد أسلوب فتحي الشعري تحولاً نحو آفاق أرحب، حيث أثرى الساحة الفنية بمساهمات غنائية عميقة، لاسيما عبر شراكة فنية مثمرة مع الفنان التونسي لطفي بوشناق. في هذه المرحلة، قدم فتحي كلمات أغانيه التي تراوحت بين التعبير عن العاطفة الإنسانية الجياشة والروح الوطنية المتأججة، ومن أبرزها قصائد مثل "سراييفو" و"أحمال قلبي الكبير". كما امتدت إسهاماته الغنائية لتشمل تعاوناً مع قامات فنية عربية أخرى، فكتب للشيخ إمام أغنيتي "يا ولدي" و"اصحى طال النوم"، وشاركت قصائده مع مجموعتي "الحمائم البيض" و"البحث الموسيقي" في قابس، ومنها قصيدة "الشيخ الصغير".
تتجلى قيمة آدم فتحي الشعرية في ستة دواوين أثرت المكتبة العربية. كانت بداياته في عام 1982 بديوان "سبعة أقمار لحارسة القلعة" الصادر عن دار بين قوسين. تبع ذلك "حكاية خضراء والأمير عدوان" عام 1984، والذي صدر في شريط مسموع مرفق بكتيب عن دار الشرقي. وفي عام 1986، أصدر ديوانه الثالث "أغنية النقابي الفصيح" عن دار التقدم، والذي واجه مصادرة بعد النشر، في إشارة إلى مضمونه الجريء الذي قد يكون قد لامس قضايا حساسة في السياق السياسي لتلك الفترة. ثم أتبعها بـ "أناشيد لزهرة الغبار" عام 1991، و"المعلقة" عام 1994، الصادرة أيضاً في شريط مسموع وكتيب عن دار أقواس. وكان آخر دواوينه المنشورة "نافخ الزجاج الأعمى: أيامه وأعماله" عام 2011 عن منشورات الجمل، والذي يعكس مسيرة الشاعر الطويلة وتجاربه المتعددة.
إلى جانب إبداعه الشعري، يبرز آدم فتحي مترجماً بارعاً، حيث أغنى المحتوى العربي بترجمات نوعية من اللغة الفرنسية، صدرت جميعها عن منشورات الجمل. نقل إلى العربية "اليوميات" لشارل بودلير عام 1999، وفتح الأبواب للقارئ العربي على فكر الفيلسوف الروماني إميل سيوران، بترجمة أربعة من أعماله: "المياه كلها بلون الغرق" (2003)، "تاريخ ويوتوبيا" (2010)، "مثالب الولادة" (2014)، و"اعترافات ولعنات" (2018)، مما يدل على عمق اطلاعه الفكري وقدرته على التعامل مع النصوص الفلسفية المعقدة. كما ترجم روايات للكاتب جيلبير سينويه، منها "ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان" (2006) و"اللوح الأزرق" (2008)، وروايتين للكاتب نعيم قطان هما "فريدة" (2006) و"وداعاً بابل" (2012)، مساهماً بذلك في مد جسور التواصل الثقافي بين الشرق والغرب. لم تقتصر مسيرته على الكتابة والترجمة، بل امتدت لتشمل الإعلام الثقافي، حيث قدم برنامج "رواق الكتب" على قناة تونس 7، مستضيفاً نخبة من الأدباء التونسيين. تقديراً لمجمل أعماله ومسيرته الأدبية والترجمية، نال آدم فتحي "جائزة سركون بولص للشعر وترجمته" في دورتها الثانية عام 2019، التي تقدمها دار الجمل، لتتوج بذلك مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز.
الأسلوب الشعري
تطور أسلوب آدم فتحي الشعري من الملتزم الذي يعالج قضايا اجتماعية ووطنية إلى العاطفي والرومانسي، مع احتفاظه بالعمق الفكري واللغة الرصينة، وتميز بقدرته على التعبير عن المشاعر الإنسانية والقضايا الكبرى بأسلوب سلس ومؤثر.