السيرة الذاتية
يُعد يزيد بن ضبة، واسمه الأصلي يزيد بن مقسم، أحد أبرز الشعراء المواليد في أواخر العصر الأموي. جاء لقبه "ابن ضبة" من نسبته إلى والدته ضبة، التي تولت رعايته وتربيته بعد وفاة والده مقسم وهو لا يزال طفلاً. عملت ضبة حاضنةً لأبناء المغيرة بن شعبة الثقفي وأحفاده في الطائف، مما رسخ هذه النسبة وجعله معروفًا بيزيد بن ضبة الثقفي. يُرجح أن يزيد كان من الموالي، أي ليس عربي النسب الخالص، ربما من جهة أبيه أو كليهما، وهي ظاهرة شائعة في تلك الحقبة. وقد انضوى ولاؤه داخل قبيلة ثقيف، لبطون بني مالك بن حطيط ثم بني عامر بن يسار، مما منحه سندًا قبليًا ضمن النظام الاجتماعي آنذاك.
انتقلت حياة يزيد من الطائف إلى دمشق، عاصمة الخلافة الأموية، حيث ارتبط اسمه بالوليد بن يزيد، الأمير الأموي الذي سيتولى الخلافة لاحقًا. رافق يزيد الوليد منذ أيام شبابه، خلال فترة حكم والده يزيد بن عبد الملك (101-105 هـ)، وظل ملازمًا له. كان هذا القرب من الوليد ذا تأثير عميق على مسار يزيد بن ضبة، فقد وفر له حماية ورعاية في بلاط الخلافة الأموية الذي كان يموج بالصراعات السياسية والتقلبات الاجتماعية.
عندما تولى هشام بن عبد الملك الخلافة في عام 105 هـ (724 م)، حاول يزيد بن ضبة أن ينشد فيه قصيدة تهنئة ومديح. إلا أن هشام رفض استقباله وأمره بأن يخص الوليد بمدائحه، ثم أمر بإخراجه من مجلسه، في إشارة واضحة إلى التوتر بين الخليفة وولي عهده. أدرك الوليد بن يزيد خطورة هذا الموقف على حياة يزيد، فبادر بإرسال خمسمائة دينار إليه، ونصح الشاعر بمغادرة الشام والعودة إلى الطائف، حيث يمكنه العيش بأمان مستفيدًا من أموال خصصها له الوليد، وذلك خوفًا عليه من غضب هشام الذي قد يصل إلى حد السجن أو القتل. امتثل يزيد لهذه النصيحة الحكيمة، وقضى كل فترة خلافة هشام الطويلة (105-125 هـ) في الطائف، بعيدًا عن الأضواء والسياسة.
مع وفاة هشام وتولي الوليد بن يزيد مقاليد الخلافة في عام 125 هـ (743 م)، عاد يزيد بن ضبة إلى دمشق، حيث حظي بتقريب الخليفة الجديد وإحسانه. لكن خلافة الوليد لم تدم سوى ثلاثة أشهر، إذ اغتيل في خضم الفتن التي عصفت بالدولة الأموية. بعد هذا الاضطراب السياسي، تضاءلت الأخبار الموثوقة عن حياة يزيد بن ضبة ومصيره. وبالنظر إلى أنه كان شاعرًا مخضرمًا يُحتمل أنه عاصر خلافة عبد الملك بن مروان، وربما أدرك فترة معاوية كما توحي بعض قصائده، فمن المرجح أن حياته لم تمتد إلى ما بعد عام 130 هـ (747 م)، وهي الفترة التي شهدت بداية انهيار الدولة الأموية.
تميز يزيد بن ضبة بأسلوبه الشعري المزدوج؛ ففي شعره الوجداني من مدح وغزل وعتاب، كان فصيح الألفاظ، سهل التراكيب، عذب الموسيقى. بينما في طردياته (قصائد الصيد)، كان يميل إلى استخدام الألفاظ الغريبة والبدوية الحوشية، ما يعكس طبيعة هذا اللون من الشعر المرتبط ببيئة الصحراء ومفرداتها. كان يزيد شاعرًا غزير الإنتاج، وقد روى الأصفهاني أنه نظم ألف قصيدة، فاقتسمتها شعراء العرب وانتحلتها، مما يدل على رواج شعره وانتشاره وتأثيره في عصره. كما يُلاحظ أن قصائده التي وصلت إلينا تمتاز بالبحور القصيرة المطربة وتحمل طابعًا متجددًا يجعلها قريبة الشبه بالشعر العباسي المبكر، مما يضعه كشخصية أدبية مهمة تمثل مرحلة انتقالية في تطور الشعر العربي.
الأسلوب الشعري
أسلوب وجداني فصيح سهل في الغزل والمديح، ومائل للغرابة والألفاظ البدوية في الطرديات. يمتاز بالبحور القصيرة المطربة ويحمل طابعًا حديثًا يمهد للشعر العباسي.