السيرة الذاتية
يُعدُّ سليمان باشا الباروني، واسمه الكامل سليمان بن عبد الله بن يحيى بن أبي القاسم الباروني، من أبرز الشخصيات الليبية التي تركت بصمة واضحة في التاريخ السياسي والأدبي والعلمي خلال أواخر العصر العثماني وبدايات القرن العشرين. وُلِد الباروني عام 1870 في كاباو، إحدى مدن جبل نفوسة بطرابلس الغرب، ونشأ في بيئة إباضية عريقة، مما صقل شخصيته العلمية والدينية منذ نعومة أظفاره.
تلقى الباروني تعليماً واسعاً ومتنقلاً، حيث ارتحل في طلب العلم إلى كبرى المراكز الثقافية في شمال أفريقيا ومصر. بدأ رحلته العلمية في تونس حيث درس بجامع الزيتونة، ثم انتقل إلى الجزائر لتلقي العلم بمدينة تلمسان، وأخيراً استقر به المطاف في القاهرة لينهل من معين الأزهر الشريف. هذه الرحلات أكسبته معرفة عميقة بالفقه والأدب والتاريخ، ووسعت مداركه لتشمل شؤون الأمة الإسلامية.
بعد عودته إلى وطنه، انخرط الباروني في الحياة العامة، وسرعان ما برز كصوت معارض للسياسة العثمانية في ولاية طرابلس آنذاك. هذه المعارضة دفعته إلى المنفى في مصر، حيث واصل نشاطه الفكري والسياسي. عادت به الأقدار إلى الساحة السياسية بعد إعلان الدستور العثماني عام 1908، فتم انتخابه نائباً عن طرابلس في مجلس المبعوثان بالآستانة، ممثلاً لبلاده بكل اقتدار.
عندما اجتاحت إيطاليا طرابلس الغرب عام 1911، عاد الباروني إلى مسقط رأسه ليقود المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي، رافضاً أي مساومة على سيادة وطنه. استمر في جهاده وتصديه للغزاة، وكان أحد المؤسسين والرؤساء الأربعة لمجلس شورى الجمهورية الطرابلسية، أول كيان جمهوري في المنطقة. وبعد توقيع معاهدة الصلح بين تركيا وإيطاليا، التي رأى فيها خذلاناً، لم يذعن بل استمر في نضاله، مما اضطره للمغادرة إلى تونس ثم إلى الآستانة مجدداً، حيث عُين عضواً في مجلس الأعيان العثماني.
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، كلفته الحكومة العثمانية بقيادة جبهة طرابلس الغرب ضد الإيطاليين، فعاد إليها في رحلة محفوفة بالمخاطر على متن غواصة ألمانية، وقاد المعارك بشجاعة. بعد انتهاء الحرب وهدنة 1918، وتخلي الدولة العثمانية عن طرابلس، ساهم الباروني في جهود إبرام صلح بين القبائل الطرابلسية والإيطاليين عام 1919 في محاولة لوقف النزيف وحماية الأهالي.
انتقل الباروني بعد ذلك إلى أوروبا، ثم أدى فريضة الحج عام 1924، ليستقر به المقام لاحقاً في مسقط ثم في سلطنة عمان. وبحكم مكانته العلمية والدينية كأحد أعلام المذهب الإباضي، عينه سلطان مسقط مستشاراً لحكومته عام 1935، وقضى هناك نحو عامين. أصيب بمرض في نهاية المطاف، فارتحل إلى بومباي بالهند للعلاج، وهناك وافته المنية عام 1940، تاركاً خلفه إرثاً عظيماً من الجهاد والعلم والأدب.
من أهم أعماله العلمية كتابه القيّم "الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية" الذي يعد مرجعاً مهماً لتاريخ الإباضية، كما خلف ديوان شعر مطبوع يعكس جوانب من تجربته الوطنية والروحية، ويظهر فصاحته وقدرته على نظم الشعر في مختلف الأغراض.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه الشعري بالفصاحة وقوة العبارة، وتناولت قصائده في الغالب قضايا الوطنية والدفاع عن الأرض، إلى جانب موضوعات دينية تعكس عمق ثقافته الإباضية، وذلك ضمن إطار الشعر العمودي التقليدي.