السيرة الذاتية
يُعدّ محمد بن سليمان فضولي البغدادي، الذي عُرف بلقبه الشعري «فضولي»، قامةً أدبية شامخة وشاعراً مُبدعاً أثرى التراث الإسلامي بمنجزاته الخالدة في ثلاث لغات رئيسية: التركية (الآذرية)، والفارسية، والعربية. ولد فضولي في منطقة العراق التي كانت آنذاك خاضعة لحكم القراقويونلو، ويُعتقد أنه رأى النور حوالي عام 1483 ميلادية، بينما تتضارب الروايات حول مكان ولادته الدقيق بين بغداد، الحلة، أو كربلاء، مع إشارات قوية لصلته بكركوك. ينحدر الشاعر من قبيلة البيات التركمانية، إحدى بطون قبائل الأوغوز التي استوطنت العراق منذ قرون، وقد نشأ في بيئة غنية ثقافياً ودينياً، مما صقل مواهبه الشعرية منذ يفاعته.
عاصر فضولي فترةً مضطربةً في تاريخ المنطقة، حيث تلاقت وتصارعت فيها القوتان العثمانية والصفوية، مما ترك بصماته واضحة على مسيرته وحياته. بدأ فضولي حياته الأدبية بأسلوب فريد، مفضلاً لقب «فضولي» الذي يعني في بعض تأويلاته «المتطفل» أو «غير ذي أهمية»، ربما ليعبر عن تفرده ورفضه للتقليد أو ربما تواضعاً. كان لفضولي تفاعلات مع حكام عصره؛ فقد تبادل المراسلات الشعرية والمناظرات مع الشاه إسماعيل الصفوي، ولاحقاً استقبل السلطان سليمان القانوني العثماني عند دخوله بغداد بقصيدة مدح رصينة، ما أهّله للحصول على راتب شهري من أوقاف بغداد. بيد أن هذا العطاء سرعان ما انقطع بعد رحيل السلطان، وهي الواقعة التي ألهمته نظم رسالته الشهيرة «شكاية نامه» (كتاب الشكوى)، التي عبّر فيها عن مرارة خيبة الأمل من الوعود السياسية وتماطل الموظفين.
بعد انقطاع راتبه، آثر فضولي العزلة في كربلاء، حيث كرّس جلّ وقته للعبادة والتأمل، وأُسند إليه شرف الإشراف على إيقاد المصابيح في الروضة الحسينية الشريفة، مما يعكس تقواه وعمق ارتباطه بالمذهب الشيعي. تُوفّي الشاعر الكبير في كربلاء عام 1556 ميلادية، متأثراً بوباء الطاعون الذي اجتاح المنطقة آنذاك، ودُفن فيها تاركاً وراءه إرثاً أدبياً لا يُقدّر بثمن، يُعدّ من أبرز كنوز الأدب الإسلامي.
يُعرف فضولي بغزارة إنتاجه الأدبي وتنوعه، فقد كتب في الشعر والنثر، وتناول مواضيع شتى تتراوح بين العشق الإلهي والإنساني، الحكمة، الفلسفة، والموعظة. من أبرز أعماله التي لا تزال تُدرّس وتُحتفى بها «ليلى والمجنون»، وهي تحفة شعرية تُرجمت إلى لغات عالمية عديدة، وتُظهر عمق رؤيته الصوفية ومهارته الفائقة في صياغة المشاعر الإنسانية. كما أن له «حديقة السعداء»، وهي ملحمة شعرية تُؤرّخ لواقعة كربلاء بأسلوب مؤثر، و«ديوان فضولي» الذي يجمع قصائده في مجلدات ثلاث باللغات التركية والفارسية والعربية، بالإضافة إلى منظومته «أنيس القلب»، ورسائله النثرية، وكتاب «رند وزاهد». يظل فضولي رمزاً للعبقرية الأدبية التي تتجاوز حدود اللغة والثقافة، ومثالاً للمثقف الموسوعي الذي أتقن فنون القول في عصره.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه بالجمع بين الرومانسية الصوفية والفلسفة العميقة، والبلاغة والفصاحة في اللغات التركية (الآذرية)، الفارسية، والعربية. تميل قصائده لاستكشاف الثيمات الروحية، العشق الإلهي والإنساني، والبحث عن الحقيقة، مع لمسة من الحكمة والموعظة.