السيرة الذاتية
محمد العيد آل خليفة، اسمٌ يتردد صداه في سجلات الأدب الجزائري، ويُعد من أبرز أعلام الشعر الوطني والإصلاحي في القرن العشرين. ولد الشاعر عام 1904م في بلدية عين البيضاء بولاية أم البواقي الجزائرية، ونشأ في كنف أسرة عريقة متدينة ذات توجه صوفي ينتمي إلى الطريقة التجانية، وتعود أصولها إلى بلدة كوينين بواد سوف. هذا المنبت الديني المحافظ كان له بالغ الأثر في تشكيل وعيه وفكره، قبل أن تتسع مداركه لتشمل آفاق الإصلاح والتنوير.
انتقلت أسرته لاحقًا إلى مدينة بسكرة، حيث أكمل حفظ القرآن الكريم مبكرًا، وتلقى علومه الشرعية واللغوية على يد شيوخها الأجلاء، ومن أبرزهم الشيخ علي بن إبراهيم العقبي. وفي عام 1921م، وجهه الشيخ سيدي العيد الثاني، الذي كان له دور الأب الروحي والداعم، نحو رحاب جامع الزيتونة بتونس، الصرح العلمي العريق الذي كان قبلة لطلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومركزًا للإصلاح الفكري. التحق محمد العيد بالزيتونة وشرع في دراسة الطبقة الثالثة من طبقاتها السبع، لكن إقامته لم تدم طويلاً؛ فبعد عامين اضطر للتوقف عن الدراسة والعودة إلى بسكرة لأسباب صحية.
لم ينقطع الشاعر عن طلب العلم بعد عودته، بل واصل مساره المعرفي على أيدي علماء بسكرة ومشايخها، من أمثال الشيخ المختار اليعلاوي أرطبار، الذي كان يعقد دروسه الليلية بالمسجد العتيق، فدرس عنه الفقه والحساب والفلك، مما يدل على اهتمامه الواسع بالعلوم المختلفة. ثم اتجه نحو ميدان التربية والتعليم، ففي عام 1927م، انتدبته جمعية الشبيبة الإسلامية بالجزائر العاصمة معلمًا في إحدى مدارسها. أمضى ثلاث سنوات في سلك التعليم، ثم تولى إدارة المدرسة خلفًا للشاعر محمد الهادي السنوسي، واستمر في هذا الدور القيادي حتى عام 1941م، حيث عاد إلى بسكرة لعدة أشهر قبل أن يستقر به المقام في مدينة باتنة. هذه الفترة من حياته المهنية تؤكد انخراطه الفاعل في الحركة الإصلاحية التي كانت تسعى لنشر التعليم وتأصيل الهوية العربية الإسلامية في وجه الاستعمار الفرنسي.
كان شعر محمد العيد آل خليفة مرآة صادقة لروح المقاومة والتحرر، وجسرًا للوعي الوطني. فقد سخر قريحته في التغني بالحرية والدعوة إلى الاستقلال، مؤيدًا للثورة الجزائرية بقصائده الحماسية التي ألهبت مشاعر الجماهير، لعل أشهرها قصيدة "من جبالنا طلع صوت الأحرار" التي أصبحت رمزًا خالدًا للنضال. هذا الالتزام الوطني وضعه في مواجهة مباشرة مع سلطات الاحتلال الفرنسي؛ فبعدما رفض التصديق على منشورات تُدين الثورة تحت التهديد بالسجن عام 1955م، أُوقف عن العمل بمدرسة العرفان التي أغلقت لاحقًا وحولت إلى ثكنة عسكرية. ورغم ذلك، لم يثنه عن مواصلة نشاطه النضالي في المساجد والساحات العامة. وفي شهر جوان من العام نفسه، اعتُقل وكُبل، ثم سُجن في سجن بسكرة، ومنه إلى سجن الكدية بقسنطينة، حيث قدم للمحاكمة بتهمة التحريض ضد السلطة ودعم الثورة.
بعد إطلاق سراحه، استأنف نشاطه الوطني بكل عزيمة، لكنه سرعان ما فُرضت عليه الإقامة الجبرية بمنزله في بسكرة تحت حراسة مشددة، وذلك بتهمة التحريض على إعدام المستوطن الفرنسي "جوليان"، وظل حبيس بيته طوال سنوات الثورة التحريرية. وبعد استعادة الجزائر لاستقلالها، آثر محمد العيد آل خليفة الاعتكاف في بيته، متعبدًا وزاهدًا في متاع الدنيا، مقلًا من المشاركة في الأنشطة العامة والخاصة، مفضلاً الخلوة والذكر. كان يقضي نصف العام في بسكرة والنصف الآخر في باتنة، إلى أن وافته المنية في مستشفى مدينة باتنة يوم الأربعاء 31 جويلية 1979م الموافق 7 رمضان 1399هـ. نُقل جثمانه ليدفن في مسقط رأسه الروحي، بسكرة، بمقبرة العزيلات، بعد يومين من وفاته، تاركًا خلفه إرثًا شعريًا ووطنيًا خالدًا.
الأسلوب الشعري
كلاسيكي محافظ، وطني، إصلاحي، ذو توجه ديني، يتميز بجزالة اللفظ ووضوح المعنى وقوة التأثير، مع اهتمام بالقضايا الاجتماعية والسياسية