السيرة الذاتية
خليفة محمد التليسي، اسمٌ ساطعٌ في سماء الثقافة الليبية والعربية، تجسدت فيه سمات المثقف الموسوعي والدبلوماسي المحنك. وُلد هذا الأديب والباحث الفذ في التاسع من مايو عام 1930، ليستهل مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والسياسي، تاركًا بصمة عميقة في كل ميدان وطئته قدماه.
بدأت مسيرة التليسي المهنية مبكرًا في مضمار الخدمة العامة، حيث تقلد مناصب إدارية رفيعة في مجلس النواب الليبي ابتداءً من عام 1952، وتدرج ليصبح أمينًا عامًا للمجلس بحلول عام 1962. ولم يلبث أن ارتقى إلى منصب وزير الإعلام والثقافة بين عامي 1964 و1967، في فترة شهدت تعاقب عدة حكومات ليبية، مما يعكس الثقة التي أولتها له القيادات المتعاقبة. امتدت خدمته الدبلوماسية لاحقًا بتعيينه سفيراً لبلاده في المغرب عام 1968، حيث مثل ليبيا خير تمثيل.
على الصعيد الأكاديمي والفكري، لم يقتصر اهتمامه على الإدارة والسياسة، بل كان له شغفٌ عميق بالأدب. ففي عام 1960، أوفدته منظمة اليونسكو في بعثة أدبية مهمة إلى إيطاليا، كانت تهدف إلى تعريفه بالأدب الإيطالي المعاصر وكُتّابه. أثمرت هذه الرحلة العلمية حصوله على دبلوم التعليم العام ودكتوراه فخرية من المعهد الشرقي التابع لجامعة نابولي، مما أثرى تجربته وأكسبه بعدًا ثقافيًا عالميًا.
واصل التليسي إسهاماته الجليلة في المشهد الثقافي خلال عهد النظام الجماهيري، حيث تولى رئاسة اللجنة العليا للإذاعة الليبية، ثم رئاسة مجلس إدارة الدار العربية للكتاب عام 1974، التي تُعد منارة للنشر في العالم العربي. ولم تقتصر جهوده على المؤسسات الوطنية، بل امتدت لتشمل المنظمات الإقليمية، فانتخب أمينًا أول لاتحاد الأُدباء والكتاب الليبيين، ثم نائباً للأمين العام لاتحاد الأُدباء العرب عام 1978، وصولاً إلى منصب الأمين العام للاتحاد العام للناشرين العرب في عام 1981، مما جعله شخصية محورية في حركة النشر والتأليف على مستوى الوطن العربي.
تُعد مؤلفات خليفة التليسي وخدماته الجليلة في الترجمة والتحقيق شاهدة على غزارة إنتاجه وعمق رؤيته. فقد أثرى المكتبة العربية بدراسات نقدية مثل "الشابي وجبران" (1957)، وبمعاجم تاريخية قيمة كـ "مُعجم معارك الجهاد في ليبيا" (1972)، وبتحليلات شعرية متفردة في "قصيدة البيت الواحد" (1990). كما اضطلع بدور ريادي في نقل روائع الأدب العالمي إلى العربية، بترجمة أعمال لعمالقة أمثال طاغور ولوركا، إلى جانب قصص إيطالية وكتب تاريخية عن ليبيا. وقد بلغ ذروة عطائه في هذا المجال بإصدار موسوعته "مُختارات خليفة التليسي، من روائع الشعر العربي" في خمسة أجزاء عام 1991، والتي تمثل مرجعًا لا غنى عنه لمحبي الشعر العربي.
رحل خليفة محمد التليسي عن دنيانا عام 2010، بعد حياة مديدة تجاوزت الثمانين عامًا، قضاها في خدمة وطنه وأمته ثقافيًا وسياسيًا. ودفن في مقبرة الشهداء، مخلفًا إرثًا ثقافيًا ومعرفيًا باقياً، يبرز دوره كجسر حضاري بين الثقافات، ومحقق مدقق، ومناصر للفكر التنويري في العالم العربي.
الأسلوب الشعري
لم يكن خليفة التليسي شاعرًا بالمعنى التقليدي، بل كان باحثًا وناقدًا ومحققًا ومترجمًا بارزًا. تميز أسلوبه الكتابي بالرصانة والعمق والمنهجية في البحث والتحليل، وكان له دور كبير في جمع روائع الشعر العربي وتقديمها للقارئ.