السيرة الذاتية
كمال خير بك (1935-1980) هو شاعر سوري بارز، وُلد في مصياف، وترجع جذوره العائلية إلى القرداحة بمحافظة اللاذقية. امتدت مسيرته الأدبية والسياسية في فترة مضطربة من تاريخ المنطقة العربية، حيث اشتهر بمواقفه القومية وانتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي، ما عكس لاحقاً في صبغته الفكرية والأدبية. تلقى تعليمه الأولي والثانوي في مدارس اللاذقية، حيث بدأت ملامح موهبته الشعرية تتجلى مبكراً، ففي سن الخامسة عشرة شرع في نظم الشعر، مبدياً جرأة فنية مبكرة تجسدت في معارضته لقصيدة "خالقة" للشاعر الكبير بدوي الجبل، محاكياً الوزن والقافية مع تقديم رؤية مغايرة تماماً، ما أظهر استقلالية فكره الشعري منذ بداياته.
في مطلع عام 1952، اتخذ خير بك من بلدة الكورة في شمال لبنان موطناً له، حيث استقر وتزوج من السيدة نجاة نجار وأنجب منها ابنه الأول زياد. شهدت هذه الفترة تعميق ارتباطه بالحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أصبح محطة مهمة في تكوينه الفكري والسياسي. لم تقتصر طموحاته على الجانب السياسي والشعري، بل امتدت لتشمل التحصيل الأكاديمي الرفيع. فقد نال شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة جنيف عام 1972، إثر إنجازه أطروحة قيمة بعنوان "حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر". كان قد بدأ العمل على هذه الأطروحة المبتكرة في جامعة السوربون بباريس تحت إشراف المستشرق الفرنسي الشهير جاك بيرك، الذي كان له دور كبير في توجيهه العلمي.
تميزت تجربته الشعرية بالعمق والالتزام، حيث صدرت له مجموعة من الدواوين الشعرية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الأدبي العربي الحديث. من أبرز هذه الأعمال: "دفتر الغياب"، و"مظاهرات صاخبة للجنون"، و"وداعاً أيها الشعر"، و"البركان"، و"الأنهار لا تعرف السباحة في البحر". تعكس هذه الدواوين تنوعاً في الموضوعات التي تناولها، من قضايا الوجود والهوية إلى التعبير عن آمال الأمة وطموحاتها، مسكوناً بروح المقاومة والتجديد. كانت لغته الشعرية تمزج بين الفصاحة والتعبير الجريء، متجاوزة الأطر التقليدية في كثير من الأحيان.
كانت حياة كمال خير بك حافلة بالنشاط الفكري والسياسي، وانتهت نهايتها المأساوية باغتياله عام 1980 في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، التي ابتلعت العديد من الأقلام والمثقفين. ترك رحيله فراغاً في الساحة الأدبية والسياسية، إلا أن إرثه الشعري والفكري ظل شاهداً على مسيرة شاعر ومفكر آمن بقضايا أمته وعبر عنها بصدق وجرأة. تُعد أعماله مرجعاً مهماً لدراسة الحداثة الشعرية وتأثير الفكر القومي في الأدب المعاصر.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه بالعمق والالتزام بقضايا الأمة والهوية، مع نزعة حداثية جريئة في التعبير وتجاوز الأطر التقليدية، ومزج بين الفصاحة والصدق في المشاعر، متأثراً بفكر القومية الاجتماعية.