السيرة الذاتية
يوسف بن محمد بن عمر بن علي بن محمد ابن حموية الجويني، المعروف بفخر الدين والصاحب أبي المظفر، كان واحداً من أبرز الشخصيات الجامعة بين السياسة والقيادة العسكرية والأدب في العصر الأيوبي المتأخر. ينحدر من أسرة عريقة أصلها من جوين بنيسابور، وقد عرفت هذه الأسرة ببروز العديد من العلماء والأعيان في الشام ومصر بعد منتصف القرن السادس الهجري، مما يشير إلى جذورها الراسخة في الثقافة والعلم. وُلِد فخر الدين وتلقى تعليمه بدمشق، مركز العلم والحضارة آنذاك، مما صقل شخصيته وزوده بالمعارف اللازمة لدوره المستقبلي.
تجلت سمات شخصيته القيادية مبكراً، فقد وصفه المؤرخون، كابن العماد، بأنه "رئيس محتشم، سيد معظم، ذو عقل ورأي ودهاء وشجاعة وكرم". هذه الصفات مجتمعة مكنته من خوض غمار العمل السياسي والعسكري بنجاح. وقد استمع فخر الدين إلى الحديث الشريف في دمشق ومصر، وكان من رواة الحديث، مما يظهر عمق ثقافته الدينية إلى جانب تضلعه في أمور الحكم. خدم الملك الكامل الأيوبي (محمد بن محمد) بإخلاص واقتدار منذ عام 624 هـ وحتى وفاة الكامل في عام 635 هـ، مما أكسبه خبرة واسعة في إدارة شؤون الدولة.
لم تخلُ حياته من المحن، ففي فترة لاحقة سُجن بأمر من السلطان نجم الدين أيوب ما بين عامي 640 و643 هـ، وقاسى خلال هذه الفترة شدائد جمة. لكن السلطان أدرك قيمة فخر الدين وقدراته، فأخرجه من السجن وأغدق عليه النعم، وقلده منصب قيادة الجيش، مما يعكس الثقة الكبيرة التي أولاها إياه نجم الدين. استمر فخر الدين يضطلع بالمهام الجسام، وكان ركيزة أساسية في الدفاع عن الدولة.
كانت ذروة دوره عندما توفي السلطان نجم الدين أيوب في المنصورة عام 647 هـ، بينما كانت الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع تستولي على دمياط. في هذا الظرف الحرج، تولى فخر الدين، بصفته قائد الجيوش، تدبير شؤون المملكة في غياب السلطان، وأظهر حنكة وشجاعة استثنائيتين. قاد المعارك ضد الفرنج بضراوة، وعندما أغار الصليبيون على المنصورة، سارع إلى مواجهتهم على غير استعداد، ليطعنه أحدهم برمح في جنبه، وتنهال عليه السيوف من كل جانب، ليسقط شهيداً في ساحة الشرف، ويدفن في قرافة مصر. ذكر ابن تغري بردي أنه بعد وفاة الملك الصالح، رُشح فخر الدين للملك، فامتنع، ولو قبل لكان الناس قد بايعوه دون معارضة، مما يؤكد مكانته الرفيعة ونفوذه.
على الصعيد الأدبي، لم يكن فخر الدين مجرد قائد عسكري، بل كان أديباً ذا قريحة. فقد ترك لنا كتاباً مخطوطاً بعنوان "تقويم النديم وعقبى النعيم المقيم" الذي أملاه بأسلوب المقامات الأدبي المعروف، وتوجد نسخ منه في مكتبات حلب ومصر والموصل، أقدمها المحفوظة في مكتبة الأزهر. كما أن له "ديوان شعر" مخطوط، ورغم قلة الأبيات الشعرية المتوفرة التي نسبت إليه بشكل قاطع، إلا أن وجود الديوان يدل على كونه شاعراً. من الأبيات المنسوبة إليه، والتي ذكرها السبكي: "أنتم سكنتم فؤادي وهو منزلكم = وصاحب البيت أدرى بالذي فيه"، وهي أبيات تعكس رقة المشاعر وعمق الإحساس. يمثل فخر الدين ابن حموية نموذجاً للقائد الأديب الذي جمع بين صلابة السيف ونعومة القلم، وترك بصمة واضحة في تاريخ العصر الأيوبي.
الأسلوب الشعري
شاعريته لم تتضح بشكل كامل من خلال النصوص المتاحة، ولكن الأبيات المنسوبة إليه تُظهر رقة في التعبير وعمقاً في المشاعر، مع ميل محتمل للغزل والحكمة. بينما أعماله النثرية، كـ"تقويم النديم"، تُظهر إتقانه لأسلوب المقامات المعروف بفصاحته وسجعه.