السيرة الذاتية
يُعدّ أبو المحاسن شرف الدين، محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن بن عنين، المعروف بابن عنين، أحد أبرز قامات الشعر في العصر الأيوبي، إذ وُلد ونشأ وتُوفي في دمشق (559-630 هـ / 1164-1233 م)، مع تأكيده على أصوله الكوفية الأنصارية. برز ابن عنين كشاعر فحل ذي قريحة متدفقة، امتلك ناصية البيان وفنون القول، مما أكسبه مكانة رفيعة بين أدباء عصره.
تميز أسلوبه الشعري بحدة الهجاء وسلامة اللغة، فكان لا يتردد في توجيه نقده اللاذع حتى لكبار الشخصيات الحاكمة، ومنهم السلطان صلاح الدين الأيوبي والملك العادل. هذه الجرأة في التعبير أدت إلى نفيه من دمشق بأمر من صلاح الدين، فبدأ رحلة طويلة في المشرق العربي والإسلامي، شملت العراق والجزيرة الفراتية وأذربيجان وخراسان، وامتدت إلى الهند واليمن ثم مصر. وقد أثرت هذه التجربة الغنية بالأسفار والمعايشات المتنوعة في شعره، فأضفت عليه بعداً إنسانياً وجغرافياً واسعاً، وخلدت مشاهده المتعددة التي وثقها بقصائده، إضافة إلى بروز فن وصف الرحلات في نصوصه.
بعد وفاة صلاح الدين، عاد ابن عنين إلى دمشق، واستطاع بذكائه وقدرته الشعرية أن يستعيد مكانته ويحظى بعطف الملك العادل، حيث تقرّب منه ونال حظوة كبيرة في بلاطه. لم يقتصر تأثيره على الشعر فقط، بل تولى مناصب إدارية رفيعة، فعمل في وظيفة الكتابة (ما يعادل الوزارة في بعض جوانبها) للملك المعظم في أواخر حكمه، واستمر في خدمة الملك الناصر. ورغم انفصاله عن هذا المنصب في عهد الملك الأشرف، إلا أنه بقي مُحتفى به، ولزم بيته في أواخر حياته. وقد أشاد به معاصروه، فوصفه ابن النجار بأنه "من أملح أهل زمانه شعراً، وأحلاهم قولاً، ظريف العشرة، ضحوك السن، طيب الأخلاق، مقبول الشخص، من محاسن الزمان". ترك ابن عنين إرثاً أدبياً قيماً، يضم ديوان شعر مطبوعاً، وقصيدته المطولة "مقراض الأعراض" التي تعد من أشهر أعماله الهجائية، إضافة إلى كتاب "التاريخ العزيزي" المخطوط الذي أرّخ فيه لسيرة الملك العزيز.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه بالجزالة والوضوح، مع قدرة فائقة على الهجاء الساخر اللاذع، والمدح الرصين، والوصف الدقيق لمشاهد الحياة والرحلات، ممزوجاً بظرف وخفة روح.