السيرة الذاتية
يُعدُّ سيبويه، واسمه الكامل أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، قطب الرحى في تاريخ النحو العربي وإمام نحاته بلا منازع. تعود أصول هذا العالم الفذ إلى إحدى قرى فارس بشيراز، حيث وُلد في حدود عام 140 هجري (الموافق 757 ميلادي) تقريبًا، ويُرجّح أن لقبه "سيبويه" فارسي الأصل ويعني "رائحة التفاح". ارتحل في مطلع شبابه إلى البصرة، التي كانت آنذاك منارة العلم والمعرفة، لينهل من معينها.
في البصرة، تتلمذ سيبويه على أيدي كبار علماء اللغة في عصره، وعلى رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي كان له الأثر الأكبر في صقل موهبته وتوجيهه نحو دراسة النحو والصرف والعروض. كما استقى العلم من يونس بن حبيب وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم. تجسدت جهوده العلمية الجبارة في تأليفه كتابه الشهير، المعروف اختصارًا بـ "الكتاب"، والذي لم يُسبق بمثله في الشمولية والدقة، ولا يزال مرجعًا أساسيًا لأصول النحو العربي حتى يومنا هذا. لقد قام سيبويه في هذا المصنف العظيم بجمع وتدوين ما تشتت من قواعد اللغة، مستشهدًا بآيات القرآن الكريم وأشعار العرب الفصحاء وأقوالهم، مما جعله مرجعًا لا غنى عنه.
شهدت بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، إحدى أبرز محطات حياته عندما رحل إليها وناظر إمام الكوفيين الكسائي في مسائل نحوية عرفت بـ "المسألة الزنبورية" أو "المسألة المنبرية"، أمام الخليفة هارون الرشيد، حيث مال حكم الحضور لصالح الكسائي لأسباب قيل إنها لا تتصل بالصواب النحوي بقدر ما ارتبطت بالاعتبارات السياسية والقبلية. ورغم ذلك، لم يثنِ هذا الحدث من قدر سيبويه، بل أجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم تقديرًا لعلمه. عاد سيبويه أدراجه صوب الأهواز، وهناك وافته المنية شابًا في عام 180 هجري (796 ميلادي) تقريبًا، على خلاف في تحديد مكان وفاته بالضبط وما إذا كان قد دُفن في شيراز. كان سيبويه يتمتع بجمال المظهر والأناقة، ويُذكر أنه كان في لسانه بعض الحَبسة، وهي عثرة خفيفة لم تحُل دون أن يصبح فارس النحو الأول.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه العلمي في "الكتاب" بالدقة المتناهية والشمولية في تحليل الظواهر اللغوية، منهجه القائم على الاستقراء والتنظيم المنطقي للقواعد، مع الاستشهاد الدقيق من مصادر اللغة الأصيلة كالقرآن والشعر الجاهلي والإسلامي. كان أسلوبه موسوعيًا عميقًا، يضع الأسس المنهجية لدراسة النحو العربي.