السيرة الذاتية
عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري، المعروف بالراعي النميري، أحد أبرز فحول الشعر العربي الذين لمعوا في سماء العصر الأموي. وُلد حوالي عام 40 للهجرة (نحو 660 للميلاد) في بادية البصرة، تلك البيئة الصحراوية التي أثّرت عميقاً في تكوينه الشعري وشخصيته الأدبية. نشأ بين قومه بني نمير، الذين كانوا يتمتعون بسؤدد ومكانة رفيعة في مجتمعهم، وهو ما انعكس لاحقاً في شعره الفاخر بقبيلته. لُقّب بـ "الراعي" لكثرة وصفه للإبل وحياته البدوية الأصيلة، هذا اللقب الذي بات ملازماً له وغلب على اسمه الحقيقي.
امتاز الراعي النميري بجزالة ألفاظه وسلاسة عباراته، مع قدرة فائقة على صوغ الصور الشعرية القوية البديعة التي تنبض بالحياة من عمق البادية. لم يكن شعره مجرد رصف للكلمات، بل كان مرآة صادقة تعكس ملامح الحياة البدوية بكل تفاصيلها، من وصف الإبل ورحلاتها إلى تبيان مكارم الأخلاق وعزّة النفس. كان الفخر بقومه بني نمير سمة بارزة في نتاجه، يمجّد أمجادهم ويعدد مآثرهم، ويذود عن حياضهم بلسانه السليط، في الوقت نفسه لم يتردد في توجيه الهجاء اللاذع لخصومه، وهو ما وضعه في قلب معارك "النقائض" الشعرية الشهيرة التي اشتهرت بها تلك الحقبة.
عايش الراعي كبار شعراء عصره من أمثال جرير والفرزدق، ودخل معهم في صراعات شعرية محتدمة، لا سيما مع جرير. يُروى أنه كان يفضل الفرزدق على جرير، الأمر الذي أثار حفيظة جرير ودفعه إلى هجاء الراعي بقسوة بالغة. هذا التفاعل بين الشعراء لم يكن مجرد خصومات شخصية، بل كان يعكس طبيعة الحياة السياسية والقبلية في الدولة الأموية، حيث كان الشعر أداة قوية للدفاع عن الأنساب وتثبيت المكانة الاجتماعية. كما عُرف الراعي النميري بقدرته على نظم القصائد الطوال ذات النفس الملحمي، التي تُشبه القصص البطولية، مما يدل على اتساع أفقه وشمولية رؤيته، ومن أبرزها أبيات يرويها المبرد يصف فيها أحداثاً جساماً كحادثة مقتل الخليفة عثمان بن عفان، مما يظهر ارتباط شعره بالأحداث التاريخية الكبرى.
بقيت أشعاره وأخباره مصدراً مهماً لدراسة الأدب الأموي والحياة الاجتماعية في تلك الفترة. وقد قام العديد من الباحثين بجمع ديوانه ودراسة منهجه الشعري، فقد اعتنى به المحققون أمثال ناصر الجاني الذي جمع شعره وأخباره، وهلال ناجي الذي تناول شعره بالتحليل والنقد، مما يدل على استمرارية تأثيره وأهميته في التراث الأدبي العربي حتى يومنا هذا. إن الراعي النميري يمثل حقبة ذهبية من الشعر البدوي الأصيل، الذي حافظ على فصاحة اللغة وجمال التصوير، ورسم لوحة بديعة لمجتمعه.
الأسلوب الشعري
جزالة الألفاظ وقوة التصوير، الفخر القبلي، الهجاء اللاذع، وصف دقيق للإبل والحياة البدوية، والميل إلى نظم القصائد ذات النفس الملحمي الطويل.