السيرة الذاتية
عبد الكريم الكرمي، المعروف بلقبه "أبو سلمى" و"زيتونة فلسطين"، هو علم من أعلام الأدب والنضال الفلسطيني في القرن العشرين، وُلد عام 1909 في مدينة طولكرم التي شهدت بواكير نشأته. لم يكن الكرمي مجرد شاعر فحسب، بل كان أديباً ومحامياً وسياسياً جمع بين رهافة الحس الشعري وصلابة الموقف الوطني، فأضحت سيرته انعكاساً صادقاً لتاريخ فلسطين الحديث بما حمله من تحديات وآمال.
تلقى الكرمي تعليمه الأساسي في مدارس طولكرم، ثم انتقل ليكمل دراسته الإعدادية في السلط، ومنها إلى دمشق حيث نال شهادة البكالوريا السورية عام 1927. عاد بعدها إلى ربوع الوطن ليعمل معلماً في عدد من المدارس المقدسية كالعمرية والبكرية والرشيدية، وفي غضون ذلك، سعى نحو تعميق معرفته القانونية، فالتحق بمعهد الحقوق في القدس ليحصل على شهادة المحاماة، مما أكسبه بُعداً فكرياً إضافياً وأهّله للقيام بأدوار وطنية أوسع.
كانت نقطة التحول في مسيرته المهنية عام 1936 حين تعرض للفصل من وظيفته التعليمية من قبل سلطات الانتداب البريطاني. جاء هذا الإجراء رداً على قصيدته "يا فلسطين" التي نشرتها مجلة الرسالة القاهرية، والتي تجرأ فيها على نقد مخططات البريطانيين لبناء قصر للمندوب السامي على جبل المكبر. هذه الحادثة لم تكن لتثنيه عن دربه، بل دفعته نحو ميادين أخرى للنضال، حيث انضم إلى دار الإذاعة الفلسطينية، مستفيداً من صداقته بالشاعر الكبير إبراهيم طوقان، ليواصل إسهاماته الإعلامية والوطنية.
برز أبو سلمى كقوة فاعلة في المشهد الثقافي والسياسي الفلسطيني. فقد شغل منصب رئيس الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين عام 1980، وهو إحدى المؤسسات البارزة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما يؤكد دوره الريادي في تنظيم الجهود الفكرية والإعلامية للشعب الفلسطيني. كان له اهتمام خاص بالأطفال، مخاطباً إياهم في شعره كأمل للمستقبل، وربط نضاله الشخصي والقومي بالنضال الأممي، مما يعكس اتساع رؤيته ووعيه بالقضايا العالمية. جمعته أواصر الصداقة المتينة بشعراء عصره مثل إبراهيم طوقان، وكان على صلة وثيقة بالشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، مما يدل على موقعه المركزي في الحركة الشعرية الفلسطينية.
حظي الكرمي بتقدير كبير على المستويين العربي والدولي؛ فقد منحه "اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا" جائزة اللوتس للآداب عام 1979، كما كرمته منظمة التحرير الفلسطينية بعد وفاته بوسام القدس للثقافة والفنون والآداب عام 1990. رحل أبو سلمى عن عالمنا في 11 تشرين الأول/أكتوبر 1980 في الولايات المتحدة الأمريكية بعد خضوعه لعملية جراحية، ونُقل جثمانه ليوارى الثرى في مقبرة الشهداء بدمشق، تاركاً خلفه إرثاً شعرياً غنياً ومسيرة نضالية خالدة ما زالت تلهم الأجيال.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه الشعري بالوضوح والخطاب المباشر، ويغلب عليه الطابع الوطني والقومي، مع حس مرهف تجاه قضايا الشعب الفلسطيني. يمزج بين الفصحى واللغة القريبة من هموم الناس، ويُعرف بقوة عبارته وصوره المعبرة عن الصمود والأمل والنضال.