السيرة الذاتية
يُعدّ عبدالله راجع (1948-1990م) أحد الأسماء اللامعة في سماء الشعر المغربي الحديث، ورمزًا من رموز جيل السبعينيات الذي أحدث تحولاً جذريًا في المشهد الأدبي بالمملكة. وُلد راجع في مدينة سلا الساحلية، المتاخمة للعاصمة الرباط، حيث تلقى تعليمه الأساسي والثانوي، مشكلاً بذلك قاعدة معرفية متينة أسهمت في صقل وعيه الثقافي والأدبي مبكرًا.
توسّع مساره التعليمي بانتقاله إلى مدينة فاس، حيث التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وحصل منها على إجازته الجامعية عام 1972. ولم يكتفِ بذلك، بل واصل دراساته العليا في الرباط، ليُتوّج جهوده بدبلوم الدراسات العليا عام 1984، مما منحه عمقًا نقديًا إلى جانب موهبته الشعرية. على الصعيد المهني، عمل راجع في سلك التدريس الثانوي بمدينة الفقيه بن صالح، ثم انتقل للعمل محاضرًا وباحثًا في كلية الآداب بالدار البيضاء، حيث ترك بصمته الأكاديمية. كما اضطلع بدور محوري في المشهد الثقافي والإعلامي، فكان عضوًا فاعلاً في هيئة تحرير مجلة "الثقافة الجديدة"، وشارك في تأسيس مجلة "رصيف"، وهما منبران ثقافيان بارزان في تلك الحقبة، إلى جانب عضويته في اتحاد كتاب المغرب منذ عام 1976.
تميّز عبدالله راجع بأسلوبه الشعري التجديدي الذي عكس روح التجريب التي ميّزت جيل السبعينيات. فقد كان من رواد التخلي عن البناء العمودي التقليدي للقصيدة، متبنيًا الشكل التفعيلي القائم على السطر الشعري بدلاً من البيت ذي الشطرين، سعيًا لكسر القوالب الجامدة وفتح آفاق تعبيرية أرحب. كما ارتبط اسمه بمفهوم "القصيدة البصرية" التي تمنح للكلمة أبعادًا جمالية إضافية عبر التشكيل البصري على الصفحة، مستلهمًا في بعض أعماله أساليب الرسم الأندلسي المغربي، كما يظهر جليًا في ديوانه "سلامًا وليشربوا البحار". من الناحية الموضوعية، اتخذت تجربته الذات الإنسانية منطلقًا لرؤية شعرية ثاقبة تستكشف أعماق العالم والوجود، متجاوزة السرد المباشر نحو الغوص في المكنونات النفسية والاجتماعية.
تجلّت هذه الرؤية في دواوينه الشعرية التي أثرت المكتبة العربية، ومن أبرزها: "الهجرة إلى المدن السفلى" (1976)، الذي اتسم بعمق فكري لافت وصدق وجداني، معتمدًا صورًا كلية وأبنية مركبة، وتقنيات السرد الشعري والتناص لإغناء نصوصه الطويلة التي وإن تنوعت تقسيماتها، ظلت تحافظ على ترابطها العضوي. وتوالت أعماله الشعرية بـ "سلامًا وليشربوا البحار" (1982) الذي يعد أيقونة في مجال القصيدة البصرية، ثم ديوان "أياد كانت تسرق القمر" (1988). ولم يقتصر إبداعه على الشعر فحسب، بل شمل النقد الأدبي من خلال أطروحته القيمة "القصيدة المغربية المعاصرة بنية الشهادة والاستشهاد"، التي صدرت في جزأين عامي 1988 و1989، والتي تُعد مرجعًا هامًا لدراسة بنية القصيدة المغربية الحديثة وتفاعلاتها.
غادر عبدالله راجع دنيانا مبكرًا في الثامن والعشرين من يوليو عام 1990، بمدينة الدار البيضاء، مخلفًا وراءه إرثًا أدبيًا وشعريًا ونقديًا لا يزال مصدر إلهام للعديد من الأجيال، ومؤكدًا مكانته كأحد أبرز مجددي الشعر المغربي الذين أسهموا في إرساء دعائم الحداثة الشعرية في البلاد.
الأسلوب الشعري
أسلوب تجريبي متجدد، يتبنى القصيدة التفعيلية والسطر الشعري، مع ميل لتوظيف القصيدة البصرية. يتميز بعمق فكري وصدق وجداني، واستخدام السرد الشعري والتناص، واستكشاف الذات والعالم من منظور فلسفي.