السيرة الذاتية
سليمان عواد، أحد أبرز الوجوه الشعرية السورية في القرن العشرين، وُلد في مدينة سَلَمية عام 1922، حيث ارتسمت ملامح نشأته الأولى وتلقيه تعليمه الابتدائي في بيئة غنية بالتراث الثقافي. تابع مساره التعليمي متنقلاً بين مدن سورية مختلفة كحماة وطرطوس وحمص، قبل أن يحصل على شهادته الثانوية من الأخيرة. لاحقًا، ارتحل إلى بيروت لدراسة العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية، لكن جذور ولعه بالشعر كانت أعمق من كل المناهج الأكاديمية، ما دفعه لترك مقاعد الدراسة بعد عام واحد فقط، معبراً عن هذا الانسحاب بصدق لافت كونه "طالب فاشل" أمام إغراء الكلمة والشغف الفني الذي استعبده.
عاش عواد حياة مهنية متقلبة عكست استقلاليته ورفضه للتأطير. بدأ موظفاً في دائرة الحراج بوزارة الزراعة، ثم عمل معيداً في كلية الزراعة بجامعة دمشق، قبل أن ينتقل إلى دائرة الرقابة في وزارة الإعلام. واجه تحديات سياسية أدت إلى فصله من عمله، لكنه أُعيد لاحقًا إلى دائرة رقابة الكتب، في إشارة إلى الاعتراف الضمني بقيمته الثقافية حتى من المؤسسات الرسمية. غير أن روح الحرية التي امتلكها دفعته في نهاية المطاف إلى التخلي عن الوظيفة تماماً، ليتفرغ لحياته "البوهيمية" بكل ما تحمله الكلمة من دلالات: العيش للفن، وكتابة الشعر الغزير، والانهماك في الترجمة من الفرنسية، وخاصة الشعر الفرنسي الحديث الذي كان له تأثير عميق على الحداثة العربية، إضافة إلى ترجماته من الرومانية.
يُعدّ سليمان عواد علامة فارقة في مسار قصيدة النثر العربية، فقد بدأ في كتابتها مبكراً منذ عام 1945، في فترة كانت فيها الأشكال الشعرية التقليدية لا تزال مهيمنة. بدأ بنشر نصوصه التجريبية في مجلة "الأديب" خلال الخمسينيات، وسبق بتجربته الرائدة العديد من الشعراء الذين عُرفوا لاحقاً بريادتهم لهذا الشكل. فديوانه الأول "سمرنار" صدر عام 1957، متقدماً في النشر على أعمال كل من محمد الماغوط وأنسي الحاج، وهما اسمان ارتبطا بقوة بانتشار قصيدة النثر في الوعي الجمعي. ورغم هذا السبق الزمني، لم يحظَ عواد بذات الزخم الإعلامي أو الانتشار الواسع الذي نالاه رفيقاه، مما جعل تجربته الرائدة تبقى شبه خفية لبعض الوقت، على الرغم من شهادة معاصريه، كصديقه الشاعر إسماعيل عامود، الذي أكد أن الفضل في ريادة الشعر النثري يعود لسليمان عواد. هذا يضعه في خانة الرواد الحقيقيين الذين مهدوا الطريق لتطور القصيدة العربية الحديثة.
خلّف عواد مجموعة من الدواوين الشعرية التي تجسد مسيرته الفنية الغنية. فبعد "سمرنار" (1957)، أصدر "شتاء" (1958)، ثم "أغانٍ بوهيمية" (1960) الذي يعكس جانباً من أسلوب حياته. تلاها بعد انقطاع نسبي "حقول الأبدية" (1978)، و"أغاني زهرة اللوتس" (1982). وكان آخر أعماله المنشورة في حياته "الأغنية الزرقاء الأبدية" الذي صدر عام 1986، بعد وفاته، بجهد مبارك من نجله رياض. لم تقتصر إبداعاته على الشعر، بل امتدت لتشمل المسرحية "من همجستان"، والمجموعة القصصية "أصدقائي الدراويش"، مبرهناً على تنوع موهبته. في مجال الترجمة، أثرى المكتبة العربية بأعمال مهمة مثل "شعراء من رومانيا" (1979)، و"قصائد الضياء" (1980)، ورواية "ذئب البحر" (1983). وقد نال تقديراً دولياً حيث كرمته رومانيا بعرض أعماله في متحف مدينة ياش، اعترافاً بجهوده في نقل أدبها إلى العربية.
تميّز سليمان عواد بشخصية فريدة وعيش صافٍ وبساطة لافتة. عرف عنه عزوفه عن الشكوى، حتى في مواجهة المآسي الشخصية والضغوط المعيشية، مما جسد صورة الشاعر المتفاني لفنه. وصفه معاصروه بأنه شاعر يتوحد مع قصيدته، يمتلك براءة الأطفال وحرارة التجربة العميقة، ويحلّق بخياله إلى عوالم لا يمكن لربات الشعر التقليدية أن تنسجها. بلغ تقدير مكانته حد وصف الشاعر الكبير محمد الماغوط له بأنه يضاهي معلميه الأوائل من شعراء الحداثة الغربية الكبار أمثال بودلير ورامبو وفيرلين، ما يؤكد عمق تأثيره ورؤيته الفنية المتفردة. رحل سليمان عواد عن عالمنا عام 1984، لكنه ترك إرثًا أدبيًا لا يُستهان به، وشهد على حياة عاشها بكاملها من أجل الشعر وبالشعر، لتصبح سيرته نموذجاً للالتزام الفني الأصيل.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه بكسر القوالب التقليدية وتبني قصيدة النثر، مع ميل للتعبير عن الذات والهموم الوجودية بصدق وعمق، متأثراً بالحداثة الأوروبية، ويغلب عليه الطابع البوهيمي والتأملي.