السيرة الذاتية
يُعد سامي مهدي عباس (1940-2022) قامة أدبية وفكرية بارزة في المشهد الثقافي العراقي الحديث، حيث جمع بين الإبداع الشعري الرصين والعمل الإداري الثقافي المؤثر، مكرساً حياته للنهوض بالأدب والفكر. وُلد في مدينة بغداد عام 1940، وتلقى تعليمه الجامعي في كلية الآداب بجامعة بغداد، متخصصًا في الاقتصاد، وهو مسار أكاديمي ربما بدا مباعدًا عن شغفه الأدبي العميق، إلا أنه لم يحل دون انغماسه الكلي في عالم الكلمة والتعبير.
لم يقتصر دور سامي مهدي على كتابة الشعر وحسب، بل امتد تأثيره ليشمل قيادة دفة المؤسسات الثقافية والإعلامية في العراق. فقد تولى مناصب إدارية حساسة أبرزها المدير العام لدائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والإعلام، والمدير العام للإذاعة والتلفزيون، مما وضعه في موقع محوري لصناعة وتوجيه الرؤى الثقافية والإعلامية في البلاد. كما أسهم بفعالية في توجيه بوصلة الصحافة الثقافية، إذ ترأس تحرير مجلات وصحف رائدة مثل "المثقف العربي" و"الأقلام" و"ألف باء" و"الجمهورية"، مما أتاح له منصة لدعم المواهب الشابة وتشكيل الوعي الأدبي في مرحلة حاسمة من تاريخ العراق الحديث. وخلال سبعينيات القرن الماضي، شغل منصب مدير المركز الثقافي العراقي في باريس، ليضطلع بدور حيوي كجسر ثقافي يربط العراق بالعالم الغربي.
شكلت تجربته الشعرية إضافة نوعية للمكتبة الأدبية العراقية، بدءاً من ديوانه الأول "رماد الفجيعة" عام 1966، مروراً بمجموعات مثل "أسفار الملك العاشق" و"أسفار جديدة" و"الأسئلة" و"الزوال"، ووصولاً إلى "مراثي الألف السابع وقصائد أخرى" و"الخطأ الأول" في أواخر التسعينيات. اتسم شعره بعمق الرؤية، واللغة الشفافة التي تتأمل الوجود الإنساني وتحدياته، وكثيراً ما ارتبط اسمه بـ "جيل الستينيات" العراقي، ذلك الجيل الذي جدد في بنية القصيدة ورؤاها. ولم يكتفِ بالإبداع الشعري، بل خاض غمار النقد والدراسات الأدبية بترصن، فأصدر كتباً مهمة مثل "الثقافة العربية من الشفاهية إلى الكتابة" و"المجلات العراقية الريادية ودورها في تحديث الأدب والفن"، كما قدم للقارئ العربي ترجمات لمختارات من الشعر الفرنسي والإسباني، معرفاً إياهم بأصوات عالمية مثل جاك بريفير وهنري ميشو.
لعل من أبرز إسهاماته الفكرية كتابه "الموجة الصاخبة.. شعر الستينيات في العراق"، الذي يُعد وثيقة تاريخية وشخصية قيّمة لجيله الشعري، حيث قدم فيه شهادته الخاصة على التحولات الجمالية والفكرية التي طرأت على الشعر العراقي في تلك الفترة. ظل سامي مهدي علامة فارقة في المشهد الثقافي حتى وفاته في الأول من أيلول/سبتمبر 2022، عن عمر ناهز الثانية والثمانين، بعد صراع مع مرض عضال، مخلفاً وراءه إرثاً غنياً من الشعر والنثر الذي يضيء جوانب من روح العراق وعبقرية أبنائه.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه الشعري بعمق الرؤية، واللغة الشفافة، والتأمل في القضايا الوجودية والإنسانية، مع ارتباطه بجماليات التجديد والحداثة التي ميزت جيل الستينيات العراقي في البحث عن أشكال تعبيرية جديدة.