السيرة الذاتية
صالح بن أحمد بن محمد بن طه، المعروف بصالح طه، هو اسم لامع في سماء الأدب العربي خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وُلِد في دومة إحدى قُرى الغوطة الشرقية بدمشق عام 1860 ميلادية (1277 هجرية). نشأ هذا الشاعر في بيئة علمية، حيث تلقى تعليمه على يد كبار شيوخ عصره، مُشكلًا بذلك قاعدة متينة لمعارفه المتنوعة. شهدت سنوات شبابه الأولى فاجعة رحيل والدته، التي ترك غيابها أثراً عميقاً في نفسه، ودفعته نحو التعبير عن مشاعره الرقيقة في شعره، قبل أن يلتفت إلى النشاط التجاري لتأمين معيشته.
لم تقتصر مواهبه على الأدب وحده؛ فقد أظهر صالح طه نبوغًا فذًا في علوم الهندسة والحساب، حيث امتلك قدرة مذهلة على حل المسائل الرياضية المعقدة بسرعة ودقة فائقتين. هذه المهارات جعلت منه خبيراً مرموقاً في فنون العمران والبناء، مما عكس جانباً تطبيقياً لعقله المنظم. إضافة إلى ذلك، كان خطاطاً بارعاً، مُتقناً لقواعد الخط العربي وجمالياته وأساليب كتابته المختلفة، الأمر الذي يُظهر ذوقه الرفيع واهتمامه بالتفاصيل الجمالية.
تعددت جوانب شخصيته لتشمل شغفاً عميقاً بالموسيقى والطرب؛ فقد كان ضليعاً في علم النغم وأسرار الفن الموسيقي، ونظم العديد من الموشحات البديعة التي عكست إحساسه المرهف وقدرته على مزج الكلمة باللحن. وإلى جانب إبداعاته الفنية والعلمية، اضطلع طه بمهام عامة، فعمل كاتباً في بلدية دومة، ثم انتُخب عضواً في شعبة المعارف بالبلدة، ليبلغ ذروة خدمته العامة بتوليه رئاسة البلدية. كان لمبادراته الخيرية أثرها البالغ، حيث قام بإنشاء جامع في دومة على نفقته الخاصة، والذي لا يزال يعرف حتى اليوم بـ "جامع طه"، شاهداً على كرمه وتفانيه في خدمة مجتمعه.
رحل صالح طه عن عالمنا عام 1907 ميلادية (1325 هجرية)، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً وعلمياً مهماً. ضم ديوانه الشعري المخطوط قصائد متنوعة، واشتهر منه بوجه خاص بمجموعة من الأشعار التي عُرفت بـ "الشعر المهمل"، وهي نمط يُعرف بالتحدي الفني في الكتابة دون نقاط أو بقواعد معينة تبرز مهارة الشاعر اللغوية والخطية، مما يؤكد براعته في التفاصيل الدقيقة وحبه للتحديات الفكرية. كما خلّف مؤلفات أخرى، بعضها طُبع وبعضها لا يزال مخطوطاً، تشهد على غزارة إنتاجه وعمق علمه.
الأسلوب الشعري
اتسم شعره بالرقة والعذوبة، وبروز فنون القول كالموشحات، مع ميل خاص لتحديات لغوية وفنية دقيقة كـ "الشعر المهمل"، ما يدل على عمق ثقافته اللغوية والفنية.