السيرة الذاتية
وُلد نجيب سليمان الحداد في بيروت عام 1867، وبدت عليه ملامح النبوغ المبكر في بيئة أدبية وثقافية خصبة، فقد كان ينحدر من سلالة عريقة من أهل الفكر والقلم، كان والده سليمان الحداد صاحب "قلادة العصر"، وجده لأمه هو شيخ العربية ناصيف اليازجي، ومن أخواله الأدباء الأفذاذ خليل وحبيب وإبراهيم اليازجي، وعمته الشاعرة وردة اليازجي، وهو ما هيأ له تربة خصبة للنمو في حقول المعرفة والأدب. لم تلبث أسرته أن انتقلت إلى الإسكندرية وهو في السادسة من عمره، حيث بدأ مسيرته التعليمية في مدارسها، ملتحقًا بمدرسة الإخوة ثم المدرسة الأمريكية. إلا أن اندلاع الثورة العرابية عام 1882 أعاده إلى موطنه بيروت، ليستكمل دراسته في المدرسة البطريركية، ويتلقى علوم اللغة العربية وأسرارها على يد خاليه الأستاذين خليل وإبراهيم اليازجي، اللذين كان لهما أثر بالغ في تكوين شخصيته الأدبية.
تجلت مواهبه المتعددة منذ يفاعته، ففي عام 1883، وهو لم يبلغ العشرين بعد، عُين أستاذًا للغتين العربية والفرنسية في مدرسة بعلبك، ليكشف عن قدرته على التدريس والتأليف. لم يطل به المقام في بعلبك كثيرًا، فقد لبت دعوة سليم تقلا للانضمام إلى فريق عمل جريدة الأهرام في الإسكندرية، حيث عمل كاتبًا ومترجمًا، لتبدأ مسيرته الصحفية الحافلة. لم يكتفِ بذلك، بل كان من الرواد الذين أسهموا في إرساء دعائم الصحافة الحديثة، فشارك أخاه أمين الحداد وعبده بدران في تأسيس جريدة "لسان العرب" عام 1894، التي بدأت أسبوعية ثم تحولت إلى يومية، متجولة بين القاهرة والإسكندرية. كما أسس جريدة "السلام" اليومية، وعمل محررًا في مجلة "أنيس الجليس" الشهيرة، لصاحبتها الأميرة ألكسندرا أفرينو، التي بقيت داعمة لمسيرته الأدبية حتى وفاته المبكرة.
كان الحداد غزير الإنتاج، تميز بالجمع بين الترجمة والإبداع الأصيل، خاصة في مجال المسرح الذي كان من رواده المؤسسين في الأدب العربي الحديث. فقد نقل إلى العربية العديد من روائع المسرح العالمي من الفرنسية والإغريقية والإنجليزية، مثل "أوديب" و"البخيل" و"روميو وجولييت" و"السيد"، مسهمًا بذلك في إثراء المكتبة العربية وتجديد الفن المسرحي. ولم يقتصر إبداعه على الترجمة، بل ألف مسرحيات أصيلة عالجت قضايا تاريخية واجتماعية بأسلوب رصين، منها "ثارات العرب"، و"الرجاء بعد اليأس"، و"صلاح الدين الأيوبي". أما شعره، فقد اتسم بصبغة غنائية ووجدانية عميقة، عكست آلام النفس وتأملاتها الفلسفية في أسرار الوجود والجمال والطبيعة، مظهرًا تأثره بالرومانسية الفرنسية والشعر العاطفي العربي، كما لم يغفل عن رصد التحولات المجتمعية ودور المرأة الناشئ في مصر.
ورغم قصر عمره الذي لم يتجاوز اثنتين وثلاثين سنة، ترك الحداد بصمة لا تُمحى في المشهد الأدبي. فقد أصدر ديوان "تذكار الصبا" عام 1899، الذي طُبع على نفقة الأميرة ألكسندرا أفرينو، إضافة إلى "منتخبات نجيب الحداد" التي صدرت بعد وفاته عام 1903. وتناثرت قصائده ومقالاته في أمهات الصحف والمجلات المصرية واللبنانية في عصره. وقد حظي بتقدير كبير في حياته، فنال وسام الكوكب الدري من سلطان زنجبار، ودبوسًا من اللؤلؤ من الدون كارلوس الإسباني، وهو ما يشهد على مكانته الأدبية الرفيعة والمحورية التي شغلها كقاضٍ وكاتب وشاعر وصحفي ومترجم في نهضة الأدب العربي الحديث قبل أن يخطفه الموت في الإسكندرية عام 1899.
الأسلوب الشعري
أسلوب غنائي وجداني عميق، يعكس تأملات فلسفية في الحياة والجمال، مع مسحة عاطفية متأثرة بالتراث العربي والشعر الأوروبي، إضافة إلى تناوله قضايا مجتمعية.