السيرة الذاتية
محمد بن الشاهد، الفقيه الشاعر الذي وُلد بمدينة الجزائر عام 1737م (الموافق 1150هـ)، وعاصر فترة حاسمة من تاريخ الجزائر تحت الحكم العثماني، ويمتد عطاؤه الفكري والأدبي ليشمل النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر الميلاديين. برز ابن الشاهد كأحد الأعلام البارزين في مجال الفقه المالكي، حيث تبحر في علومه، وتولى مهام التدريس في أبرز المؤسسات الدينية والعلمية في العاصمة الجزائرية آنذاك، ومنها جامع حسين ميزمورط باشا، والجامع الكبير الذي كان مركزًا ثقافيًا ودينيًا حيويًا، وجامع علي باشا. هذا المسار الأكاديمي والتعليمي توج بترقيه إلى منصب الإفتاء على مذهب الإمام مالك، مما يعكس مكانته العلمية الرفيعة ومدى ثقة المجتمع والسلطة به.
لقد حظي ابن الشاهد بتقدير معاصريه، وهو ما يتجلى في شهادات العلماء والمؤرخين. فقد وصفه المؤرخ الفقيه محمد أبو راس الناصر المعسكري، في مؤلفه القيم "فتح الإله ومنّته"، بأنه "عالم الجزائر وقطب رحاها"، مشيدًا بكونه "فقيهاً علامة، حافظًا بارعًا، ناظرًا، مفتيًا، ومدرسًا محققًا". هذه الأوصاف لا تقتصر على إبراز عمق معرفته الفقهية فحسب، بل تشير أيضًا إلى قدرته على الحفظ والمناظرة والتحقيق العلمي، مما يجعله شخصية علمية متعددة الجوانب. كما أطلق عليه الحفناوي في "تعريف الخلف برجال السلف" لقب "أديب العصر وريحانة المصر"، وهو وصف يؤكد على مكانته الأدبية المرموقة، ويُلقي الضوء على شعريته الفصيحة التي كانت تُعرف بها الجزائر في تلك الحقبة.
تميز محمد بن الشاهد بإنتاجه الشعري الفصيح الذي عكس قضايا عصره، ولعله كان من السباقين في توظيف الشعر لتوثيق الأحداث السياسية الكبرى. ومن أبرز ما يُذكر له قصيدة تناول فيها الغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830م، وهي شهادة شعرية نادرة على هذا الحدث التاريخي المفصلي. ورغم هذا الإسهام، فإن ديوانه الشعري قد فُقد، وهو ما يمثل خسارة كبرى للأدب الجزائري والعربي، إذ يُحرم الباحثون من دراسة متعمقة لأسلوبه وموضوعاته الشعرية. ولا تزال حياته وأعماله بحاجة إلى دراسة وافية، وإن كانت بعض الإشارات عنه موجودة في الأرشيف العثماني الجزائري، مما يفتح آفاقًا للبحث المستقبلي.
تراجعت أحوال محمد بن الشاهد في أواخر أيامه، حيث لازمه الفقر المدقع وساءت صحته، حتى أُصيب بالعمى الذي زاد من محنته. فاضطر للعيش على الصدقات التي كانت تُقدَّم له من أوقاف الجامع الكبير الذي قضى فيه سنين طويلة مدرسًا ومفتيًا. يُقدر أنه عاش حياة مديدة قاربت المائة عام، وهي فترة زمنية طويلة شهدت خلالها الجزائر تحولات عظيمة، وكان محمد بن الشاهد شاهدًا وفاعلًا في جزء كبير منها، تاركًا خلفه إرثًا فقهيًا وأدبيًا، وإن كان جزء كبير منه لم يصل إلينا.
الأسلوب الشعري
تميز بأسلوبه الفصيح والرزين، حيث كان يمزج بين التعبير الأدبي الرفيع ومعالجة القضايا التاريخية والسياسية المعاصرة.