السيرة الذاتية
يُعد الشاعر اللبناني هنري زغيب، المولود في بلدة صربا بجونيه عام 1948، قامة أدبية بارزة جمعت بين أصالة الفكر وتجدد الأسلوب، محققاً حضوراً لافتاً في المشهد الثقافي العربي المعاصر. تجسدت مسيرته الغنية في تعدد مواهبه، فهو شاعر، وناقد، وصحفي، ومترجم، وأكاديمي، وإداري ثقافي، مما منحه بصمة فريدة في كل حقل خاضه.
تلقى زغيب تعليمه العالي في الجامعة اللبنانية، حيث تخرج منها عام 1970 حاملاً شهادة الإجازة في الأدب العربي، وهي شهادة شكلت حجر الزاوية لمسيرة مهنية متعددة الجوانب. فبعد تخرجه، انخرط في التدريس، مقدماً معارفه في الأدب العربي والترجمة والتعريب والفلسفة العربية. لم يلبث أن اتجه مبكراً نحو الصحافة، مستهلاً مسيرته المهنية عام 1972 من بوابة جريدة "النهار" اللبنانية المرموقة، ليثبت اسمه كقلم ثابت ومؤثر. ومع مرور السنين، تنقل بين عدد من المنابر الإعلامية الهامة مثل مجلتي "الصياد" و"الحوادث"، قبل أن يرسخ تفرغه للكتابة في "النهار"، حيث لا يزال يرفد قراءها أسبوعياً بزوايتين ثابتتين هما "أزرار" و"كومباكت"، اللتان تشهدان على استمرارية حضوره الفكري والصحافي.
امتداداً لمداركه الثقافية، أمضى زغيب فترة هامة من حياته في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1988 و1995، حيث كانت له بصمات واضحة في المشهد الثقافي الغربي. فقد ألقى محاضرات في صروح جامعية عريقة، وشارك بفعالية في أمسيات شعرية وندوات فكرية، وقدم للجمهور الأمريكي مختارات من شعره مترجمة، مما أسهم في تعريفهم بالأدب العربي المعاصر. بعد عودته إلى وطنه لبنان، استأنف نشاطه الثقافي بحماس متجدد، فأسس "لجنة الأوديسا الشعرية"، وأعاد إصدار مجلة "الأوديسا"، لتكون منبراً متخصصاً يُعنى حصراً بالشعر، تأكيداً لدوره الفاعل في دعم الحركة الشعرية.
تنوع إنتاجه الشعري بين القصيدة الكلاسيكية ذات الأوزان الخليلية، وقصيدة التفعيلة التي تمثل مرحلة من مراحل التجديد في الشعر العربي، إضافة إلى النثر الجمالي وقصيدة النثر، مما يعكس مرونة أسلوبه وقدرته على استكشاف آفاق تعبيرية مختلفة. من أبرز مجموعاته الشعرية نذكر "لأنني المعبد والإلهة أنتِ" (1981)، و"إيقاعات" (1986)، و"سمفونية السقوط والغفران" (1992)، و"من حوار البحر والريح" (1994)، وصولاً إلى "داناي... مطر الحب" (2016). كما أسهم في إثراء المكتبة العربية بأكثر من ثلاثين كتاباً من الأعمال النثرية والمترجمات عن الفرنسية والإنجليزية، تنوعت موضوعاتها بين الأدب والفلسفة والفنون، فضلاً عن إشرافه على تقديم وتنسيق عشرات الكتب وكتابة مقدمات لمؤلفات شعرية وفكرية.
علاوة على إبداعاته الأدبية والصحفية، تولى هنري زغيب مناصب ثقافية وأكاديمية رفيعة، شملت إدارة "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأمريكية، ورئاسة تحرير مجلة "مرايا التراث"، ورئاسة دائرة المنشورات الجامعية في الجامعة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا، كما عمل مستشاراً ثقافياً لرئيس الجمهورية اللبنانية. هذه الأدوار المتعددة جعلت منه شخصية محورية في الحياة الثقافية، تستمر في العطاء والإبداع والتأثير حتى اليوم، مُكرسةً حياتها للكلمة والفكر في العالم العربي وخارجه.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوب هنري زغيب الشعري بالمرونة والتنوع، حيث يجمع بين القصيدة الكلاسيكية، وقصيدة التفعيلة، والنثر الجمالي، وقصيدة النثر. يتسم شعره باللغة الراقية، العمق الفلسفي، والميل إلى تناول ثيمات الحب والوجود بأسلوب ليري غني.