السيرة الذاتية
يُعد فؤاد رفقة (1930-2011) قامة فكرية وأدبية فريدة، جمعت بين عمق الفلسفة وشفافية التجربة الشعرية في المشهد الثقافي العربي الحديث. وُلد في قرية الكفرون السورية الساحرة، الواقعة ضمن أحضان وادي النصارى بمحافظة طرطوس، وقد عاش حياة حافلة بالبحث والتأمل امتدت حتى عام 2011، حين وافته المنية في بيروت، لكن جسده وُوري الثرى في مسقط رأسه وفاءً لوصيته، ليظل مرتبطاً بجذوره الأولى التي صقلت وجدانه. يمثل رفقة نموذجاً للمثقف العابر للثقافات، السوري الأصل واللبناني النشأة، الذي أثرى الفكر العربي بترجماته ونتاجه الشعري والفلسفي.
منذ بواكير عمره، أظهر رفقة ميلاً فطرياً للطبيعة والتأمل، قاضياً ساعات طويلة في البساتين والبراري، وهو ما رسّخ في ذاكرته صوراً شعرية بكرى وفتح أمامه آفاقاً واسعة للخيال. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة صافيتا الإنجيلية، حيث بدأت شرارة الشعر تتوقد في نفسه، فكتب أولى قصائده وهو في الثالثة عشرة من عمره. انتقل إلى لبنان في ريعان شبابه، ليكمل دراساته التكميلية والثانوية في طرابلس، ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت عام 1949، حيث تعمق في دراسة الفلسفة الغربية، وحصل منها على درجة الماجستير عن أطروحة بحثت في أحد فلاسفة المدرسة الوضعية الإنجليزية.
شغفه بالفلسفة قاده إلى منحة دراسية في جامعة توبنغن الألمانية، حيث توّج مساره الأكاديمي بالحصول على درجة الدكتوراه عام 1965. كانت أطروحته الرائدة، التي تناولت "نظرية الشعر عند مارتن هايدغر"، نقطة تحول في مسيرته، إذ أثرت بعمق في رؤيته للشعر والفلسفة، وألهمته لولوج عالم الترجمة الأدبية. وبفضل هذا التخصص الدقيق، انكب على نقل روائع الشعر الألماني إلى العربية، مقدماً للقارئ العربي أعمالاً خالدة لشعراء بحجم ريلكه، وهولدرلن، وتراكل، وهرمان هسّه، ونوفاليس. بعد عودته إلى بيروت عام 1966، شغل منصب أستاذ الفلسفة الغربية في كلية بيروت الجامعية، التي أصبحت لاحقاً الجامعة اللبنانية الأميركية، وواصل عطاءه الأكاديمي فيها حتى آخر أيامه.
لم يكن رفقة مجرد أكاديمي، بل كان أيضاً أحد الأركان الأساسية التي قامت عليها "مجلة شعر" الطليعية في بيروت، والتي شارك في تأسيسها عام 1957 إلى جانب يوسف الخال. مثّلت هذه المجلة منبراً حيوياً لتجديد القصيدة العربية وكسر قوالبها التقليدية. صدر ديوانه الأول المعترف به، "مرساة على الخليج"، عام 1961 عن دار مجلة شعر، إلا أنه، وبطبيعته المتأملة، آثر الابتعاد عن صخب الأضواء، مكرساً جلّ وقته للتأمل الشعري والفلسفي العميق. لقد رأى فؤاد رفقة في الشعر والفلسفة توأمين لا ينفصلان، حيث اعتبر أن القصيدة هي تعبير عن الحقيقة الوجودية، وأن الشاعر ليس إلا قناة تتجسد من خلالها هذه الحقيقة، متجاوزاً بذلك النظرة التقليدية للعلاقة بينهما.
تميّز شعره بعمق فلسفي وتجليات صوفية لافتة، مع استلهام غني للأساطير الشرقية العريقة، كقصص عشتار وتموز، مما أضفى على نصوصه بعداً رمزياً فريداً. كما عكست بعض قصائده، مثل "امرأة من دمشق"، انتماءه الفكري للقومية الاجتماعية. إلى جانب إبداعه الشعري، برز رفقة كواحد من أهم المترجمين في العالم العربي، حيث حظيت ترجماته الدقيقة للشعر الألماني بتقدير واسع النطاق في الأوساط الثقافية الألمانية نفسها، ليتوّج هذا الجهد بحصوله على "جائزة غوته" المرموقة عام 2010. تُعد ترجماته لمختارات من ريلكه وهولدرلن وهسّه إنجازاً أدبياً ومعرفياً كبيراً، نظراً لدقتها البالغة في نقل المعاني والمصطلحات الفلسفية والرمزية المعقدة التي زخرت بها النصوص الأصلية.
رحل فؤاد رفقة تاركاً خلفه تسعة دواوين شعرية، منها "أنهار برية"، و"جرة السمرائي"، و"عودة المراكب"، و"علامات الزمن الأخير"، و"محدلة الموت وهموم لا تنتهي"، بالإضافة إلى إرث ضخم من الترجمات الفلسفية والشعرية. لقد ظل اسمه حتى رحيله رمزاً للصوت الشعري الذي يلامس جوهر الوجود، مجسداً حواراً خصباً بين التراث المشرقي العريق والفكر الإنساني العالمي المعاصر، ومقدماً نموذجاً للمثقف المتكامل الذي يجمع بين ملكات الإبداع والبحث والمعرفة.
الأسلوب الشعري
تأملي فلسفي وصوفي، متأثر بالوجودية الألمانية والأساطير الشرقية، يعكس انتماءً فكرياً للقومية الاجتماعية أحياناً.