السيرة الذاتية
الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبي، هي سيدة جليلة من ربات الجمال والعقل، لمع اسمها في صفحات التاريخ الإسلامي المبكر بصفتها زوجة الإمام الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم. تعود أصول الرباب إلى قبيلة كلب القضاعية، التي كانت تتمتع بمكانة اجتماعية وعسكرية مرموقة في شبه الجزيرة العربية، وعُرفت تاريخيًا بعلاقاتها الوثيقة ببيت النبوة، مما يعكس شرف نسبها وعراقة منبتها. والدتها هي هند الهنود بنت الربيع بن مسعود، من نفس القبيلة.
لقد توطدت العلاقة بين الرباب والإمام الحسين بزواج مبارك، أثمر عن إنجاب ابنتيه الفاضلتين، سكينة وفاطمة الصغرى، اللتين أصبحتا فيما بعد من رواة الحديث والعلم. ورافقت الرباب زوجها في رحلته المصيرية من المدينة المنورة إلى كربلاء عام 61 للهجرة، وشهدت هناك الفاجعة العظمى التي اهتزت لها أركان التاريخ الإسلامي، واستشهاد الإمام الحسين وصحبه الكرام. كانت تلك التجربة القاسية محطة فارقة في حياتها، تركت بصمات الألم العميق في نفسها، لكنها في الوقت ذاته أبرزت صلابتها وصبرها.
بعد عودتها المفجوعة إلى المدينة المنورة، ضربت الرباب بنت امرئ القيس أروع الأمثلة في الوفاء النبيل والإخلاص الذي لا يلين. رفضت بإباء وكرامة جميع طلبات الزواج التي انهالت عليها من أشراف قريش ونبلائها، مؤكدةً مقولتها الخالدة التي تجسد عمق وفائها للإمام الشهيد: "ما كنت لأتخذ حمًا بعد رسول الله". وقد بقيت الرباب وفية لذكراه، تتجرع غصص الفراق وتعيش في كمد وحزن شديدين. لم تستطع روحها أن تستكين تحت سقف بعد مصابها الأليم، فعاشت عامًا كاملاً بعد استشهاد الحسين وهي لا تستظل تحت سقف بيت، تعبيرًا عن شدة حزنها وتأبيها عن الراحة في غيابه. هذا الحزن المتواصل أرهق جسدها وروحها، حتى وافتها المنية كمداً في عام 62 للهجرة، لتدفن بجوار رفات الصحابة والأخيار في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة. إن سيرتها تظل نبراسًا يُحتذى به في تاريخ الوفاء الإنساني والعشق الروحاني.