السيرة الذاتية
يُعد أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور التميمي، المعروف بالقاضي النعمان، أحد الأعلام البارزين والركائز الفكرية لدولة الخلافة الفاطمية، وواضع أساس مذهبها الفقهي والعقائدي. وُلد في مدينة القيروان عام 912 للميلاد (299 للهجرة)، وترعرع في بيئة علمية خصبة، حيث نهل في بداية حياته من معين الفقه المالكي الذي كان سائداً في شمال إفريقيا آنذاك. إلا أنه سرعان ما تحول إلى المذهب الإسماعيلي، ليصبح من أبرز دعاته ومنظريه، وليفني جل حياته في خدمة الدولة الفاطمية وتثبيت دعائمها الفكرية والتشريعية.
عاصر القاضي النعمان أربعة من الخلفاء الفاطميين الأوائل: المهدي والقائم والمنصور والمعز لدين الله الفاطمي، وحظي بمكانة رفيعة وثقة تامة لديهم، فكان مستشارهم وقاضي قضاتهم وشيخ الفقه لديهم. وقد رافق المعز لدين الله الفاطمي في رحلته التاريخية إلى مصر عند تأسيس القاهرة، وتولى هناك مهام القضاء والإفتاء، مؤدياً دوراً محورياً في تنظيم الجهاز القضائي وفق المذهب الإسماعيلي الجديد للدولة. كان واسع الاطلاع، غزير العلم، محيطاً بالفقه والحديث والتاريخ والأدب والقرآن، مما أهّله ليكون المرجع الأول في كل هذه المجالات للدولة الفاطمية.
تُعد مؤلفات القاضي النعمان ثروة علمية ضخمة، وهي المصدر الأساسي لفقه الإسماعيلية. أشهرها على الإطلاق كتاب "دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام"، الذي يُعد الدستور الفقهي للدولة الفاطمية، وقد أمر الخليفة الظاهر الفاطمي بحفظه وتدريسه، ورصد الجوائز لمن يحفظه، مما يدل على مكانته المحورية. ومن أعماله الهامة أيضاً "تأويل دعائم الإسلام" الذي يشرح فيه الجانب الباطني للمذهب، و"افتتاح الدعوة" الذي يُعَد مرجعاً تاريخياً مهماً لبدايات الدولة الفاطمية. كما ألف العديد من الكتب في الرد على المذاهب الأخرى كـ"اختلاف أصول المذاهب" الذي ينتقد فيه فقه الاجتهاد السني، و"شرح الأخبار في فضائل النبي المختار وآله الأطهار" الذي يُبرز فيه فضائل آل البيت من منظور إسماعيلي. وقد وصفه المؤرخون السنة كالإمام الذهبي وابن حجر العسقلاني بالمارق أو من انحلت عقيدته، نظراً لتعصبه لمذهبه الإسماعيلي، إلا أن هذه الآراء لا تنقص من قدره كفقيه ومؤرخ، ولا تُقلل من أثره العميق في تاريخ الفكر الإسلامي الإسماعيلي، وتظل كتبه حتى اليوم مرجعاً رئيساً لطوائف البهرة الإسماعيلية. كان النعمان ذا حشمة ووقار، وحظيت ذريته بمركز اجتماعي مرموق، فمنهم القضاة والعلماء الذين واصلوا خدمة الدعوة الفاطمية.
الأسلوب الشعري
برع في النثر الفقهي والتاريخي والعقائدي بأسلوب رصين ومنهجي، مع قدرة على التأويل الباطني. له قصائد قليلة في الفقه، لكنه اشتهر كفقيه ومنظر أكثر من كونه شاعراً بالمعنى التقليدي.