السيرة الذاتية
النوار بنت جل بن عدي بن عبد مناة هي إحدى السيدات العربيات اللاتي خلدن ذكرهن بذكائها الحاد وفطنتها الأدبية في عصر ما قبل الإسلام. اشتهرت بكونها زوجة مالك بن زيد مناة بن تميم، وشقيقة الشاعر سعد بن مالك. لم تكن النوار شاعرة بالمعنى التقليدي الذي يعنى بتأليف القصائد الطويلة، إلا أنها امتلكت حسًا شعريًا ولسانًا فصيحًا مكنها من ترك بصمة لا تُمحى في تراث الأمثال العربية، مؤكدةً على دور المرأة في توجيه دفة الحوارات الأدبية وإنشاء الحكمة الشائعة التي تتناقلها الأجيال.
تجلى ذكاؤها الفذ في موقف شهير تزامن مع ليلة زفافها على مالك. ففي تلك الحقبة، كان الرجال يهتمون برعاية الإبل ويعزبون بها في المراعي البعيدة. في ليلة عرسها، كان زوجها مالك قد تزين وتطيب بالزعفران استعداداً لعرسه، بينما كان أخوها سعد مكلفاً برعاية الإبل وسقيها. عندما حان وقت ورد الإبل، رآها سعد تتجه نحو الماء وهي في أشد عطشها، فظل يرعاها ويسقيها وهو مكتسٍ بثوب واحد (مشتمل)، ملمحاً بشعره إلى انشغال أخيه مالك بلهو العرس عن مهمة تتطلب يقظة وحضوراً، قائلاً في بيتين من الشعر: "يظل يوم وردها مزعفرا = وهي خناطيل تجوس الخضرا"؛ أي أن راعي الإبل المتزين بالزعفران (مالك) مشغول بغير رعاية إبله التي تتيه وتجوس في المراعي.
أدركت النوار على الفور مغزى أبيات أخيها وما تحمله من لوم وعتاب خفي لزوجها. ولم تنتظر من مالك أن يتجاهل أو يعجز عن الرد، بل بادرت بتلقينه الإجابة الشافية والأسلوب الأدبي الذي يليق بالموقف. ألهمته بقولها الذي سرعان ما تحول إلى مثل سائر على ألسنة العرب: "أوردها سعد وسعد مشتمل = ما هكذا تورد يا سعد الإبل". هذه الجملة لم تكن مجرد رد، بل أصبحت تعبيراً بليغاً عن ضرورة إتقان العمل وإكماله على أكمل وجه، وتوبيخاً لمن يقصر في أداء واجباته أو يؤديها بنقص وعيب، أو ينسب عملاً إلى غير فاعله الحقيقي دون أن يشير إلى القصور. هذه الحادثة تبرهن على أن النوار كانت مثالاً للمرأة العربية ذات الفصاحة والبلاغة التي ساهمت في إثراء اللغة العربية وحكمتها. فقد حفظ التاريخ لها هذه اللحظة التي أبدعت فيها حكمة صارت مضرب مثل في التوبيخ على عدم إتمام العمل أو نسبته إلى غير صاحبه بإنصاف.
الأسلوب الشعري
أسلوب حكيم وموجز، يتسم بالسرعة في البديهة والفصاحة، وقادر على صياغة الحكمة في قالب شعري بليغ ليصبح مثلاً سائراً.