السيرة الذاتية
أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديّم البهلاني الرواحي، المعروف بأبي مسلم البهلاني، كان واحداً من أبرز العقول الفذة والشخصيات الجامعة في تاريخ عُمان الحديث، إذ جمع بين مهابة القضاء، ريادة الصحافة، وجزالة الشعر، فكان بحق علامة فارقة في عصره. وُلد عام 1277 هـ (الموافق حوالي 1860 أو 1861م)، ويُرجّح مولده في بلدة محرم بوادي بني رواحة في سمائل، فيما تشير بعض الروايات إلى وادي حطاط بمسقط. ترجع جذور قبيلته إلى عبس العريقة، وقد نشأ في كنف أسرة عُرفت بالعلم والقضاء، فوالده سالم بن عديّم كان قاضياً في عهد الإمام عزان بن قيس، كما أن جده الرابع عبد الله بن محمد قد شغل منصب القضاء في وادي محرم إبان دولة اليعاربة، مما غرس فيه منذ صغره بذور المعرفة والتبصر.
تلقى أبو مسلم البهلاني مبادئ العلوم الشرعية واللغوية على يد والده، الذي كان أول معلم له. ثم شد الرحال إلى بلدة السيح ليتتلمذ على يد الشيخ محمد بن سليم الرواحي، وفي هذه المرحلة نشأت صداقة عميقة بينه وبين رفيق دربه أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، الذي أشار إليه في نونيته الشهيرة بعبارات الود والثناء، معبراً عن صدق ووفاء تلك الصحبة. كانت هذه الفترة التكوينية حاسمة في صقل شخصيته الفكرية والأدبية، وتهيئته لمراحل حياته اللاحقة التي شهدت تقلبه في مناصب مختلفة.
شهدت حياة أبي مسلم تحولاً مهماً بانتقاله مع أبيه إلى زنجبار في فترة حكم السلطان برغش بن سعيد. وهناك، تولى والده منصب القضاء، بينما ارتقى أبو مسلم ليصبح رئيساً للقضاء في عهد السلطان حمد بن ثويني، مما أتاح له فرصة الالتقاء والتحاور مع كوكبة من كبار رجالات الفكر والعلم في عصره، من أمثال الشيخ نور الدين السالمي، وسليمان الباروني باشا، ومحمد بن يوسف أطفيش الجزائري، مشكلاً بذلك جسراً ثقافياً بين عُمان والساحل الشرقي لإفريقيا. لم تقتصر إسهاماته على القضاء؛ بل امتدت لتشمل الصحافة، فأسس وأصدر صحيفة "النجاح"، أول جريدة تصدر في زنجبار، والتي بدأت بالصدور في 12 أكتوبر 1911م ثلاث مرات شهرياً، واستمرت حتى يونيو 1914م، لتكون منبراً فكرياً وثقافياً رائداً في تلك الحقبة.
ترك أبو مسلم البهلاني ثروة أدبية وعلمية كبيرة تعكس عمق فكره واتساع معارفه. ففي شعره، يبرز كشاعر مجيد اتسمت قصائده بالجزالة ورصانة الأسلوب، محافظاً على تقاليد الشعر العربي الأصيل مع ميل واضح إلى الحكمة والتأملات الروحية والدعوة إلى الإصلاح. ويمكن مقارنة أسلوبه بالنهضة الشعرية الكلاسيكية الجديدة التي مثلها شعراء كبار في المشرق العربي. من أبرز مؤلفاته "النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني" وهو ديوان جمع فيه أذكاره ونظمه الصوفي، وكتاب "نثار الجوهر"، و"كتاب السؤالات"، بالإضافة إلى "ثمرات المعارف" الذي يُعرف أيضاً بـ"سموط تخميس الثناء"، وهو تخميس لميمية الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وأتمه قبل وفاته بثلاثة أيام في 28 محرم 1339 هـ. أما "كتاب في مسائل العقيدة" فهو يعكس اهتمامه العميق بالعلوم الشرعية والفقهية. توفي أبو مسلم البهلاني في 2 صفر 1339 هـ، الموافق 14 أكتوبر 1920م، مخلفاً وراءه إرثاً خالداً يضيء صفحات الأدب والتاريخ العُماني.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه بالجزالة ورصانة التعبير، مع ميل إلى الحكمة والتأملات الروحية والدعوة إلى الإصلاح. يتبع المدرسة الكلاسيكية الجديدة في الشعر، مع إبداع في المعاني والبيان، مما جعله امتداداً للشعر العربي الأصيل بروح معاصرة.