السيرة الذاتية
أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن عامر بن حبيب الحميري، المعروف بلقب "حبيب"، هو أحد أبرز الشعراء الأندلسيين الذين لمع نجمهم في سماء الأدب خلال القرن الخامس الهجري، وتحديداً في فترة حكم بني عباد في إشبيلية، التي اشتهرت بكونها حاضنة للفنون والآداب. لم تكن نشأة الحميري عادية، فقد حظي برعاية أدبية خاصة من والده الذي كان مقرباً من بلاط العبادين، مما أتاح له فرصة نادرة للاطلاع الواسع على دواوين فحول الشعراء وأمهات كتب اللغة والأدب في سن مبكرة جداً. هذه البيئة المثقفة الخصبة صقلت موهبته الفطرية، فبرع في نظم الشعر الفائق وتأليف النثر الرائق وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره.
كان لصحبة كبار علماء عصره أثر بالغ في تكوينه، ويُذكر أن أبا جعفر ابن الأبار قد اضطلع بدور محوري في توجيه الحميري وتنمية قدراته، فكان بمثابة المرآة التي صقلت موهبته ووجهته نحو الكمال الأدبي. لم يقتصر إبداع الحميري على الشعر فحسب، بل شمل النثر كذلك، مما يدل على اتساع مداركه وتمكنه من فنون القول كافة. هذه الكفاءة الأدبية العالية، المقترنة بشخصيته الفذة، لفتت إليه أنظار قاضي إشبيلية عباد، جد المعتمد بن عباد، فعهد إليه بمهام وزارية رفيعة وهو ما يزال في مقتبل شبابه، قبل أن يتجاوز العشرين، دلالة على ثقته التامة بذكائه وفطنته.
تتجلى بصمته الأدبية في مؤلفه القيم "البديع في فصل الربيع"، الذي لم يكن مجرد ديوان شعري خاص به، بل كان مختارات شعرية جمع فيها نفائس ما قاله شعراء الأندلس في وصف الطبيعة، وبالأخص فصل الربيع وأزهاره البديعة. يُظهر هذا العمل عمق اطلاعه وسعة حفظه وحسه النقدي المرهف، فضلاً عن ذوقه الرفيع الذي كان يميل إلى وصف الجمال الطبيعي والأزاهر، وهي سمة طغت على جل شعره ونثره، عاكسة رقة نفسه وصفاء قريحته.
لقد كانت مسيرة أبي الوليد الحميري الأدبية والسياسية حافلة بالإنجازات رغم قصرها المأساوي، إذ وافته المنية وهو في ريعان الشباب، عن اثنتين وعشرين سنة فقط، تاركاً خلفه إرثاً أدبياً شهده به كبار المؤرخين والأدباء أمثال المقري التلمساني في "نفح الطيب"، الذي وثق لغزارة علمه وجودة أدبه، مؤكداً أن الأندلس قد خسرت برحيله أحد أعمدتها الشعرية الواعدة.
الأسلوب الشعري
أسلوب رقيق أنيق، يمتاز بوصف الطبيعة خاصة الربيع والأزهار، وبلاغة في النظم والنثر مع إبراز الذوق الرفيع واللغة المتقنة.