السيرة الذاتية
يُعد عبد الله صالح حسن الشحف البردوني، الذي وُلد عام 1929 وتوفي في 30 أغسطس 1999، أحد أبرز الرموز الأدبية والفكرية في اليمن والوطن العربي خلال القرن العشرين. تميز بكونه شاعرًا وناقدًا أدبيًا ومؤرخًا ومثقفًا ذا بصيرة عميقة، تجاوز بها تحدي فقدان البصر المبكر ليُعرف بلقب "معرّي اليمن"، في إشارة إلى عمق رؤيته الفكرية والنقدية التي لم تحدها قيود العالم المرئي.
تفتحت عينا البردوني على قرية البردون الواقعة شرق مدينة ذمار، إلا أن مرض الجدري داهمه في الخامسة من عمره، ليسلبه نعمة البصر. لكن هذه النكسة لم تثنه عن طلب العلم؛ فقد بدأ مسيرته التعليمية في قريته، ثم انتقل إلى مدينة ذمار حيث التحق بالمدرسة الشمسية. انتقل بعد ذلك إلى صنعاء في مقتبل شبابه، ليتعمق في دراسته بالجامع الكبير ودار العلوم، حيث حصل على إجازة في العلوم الشرعية واللغة العربية، مما أهّله ليصبح مدرسًا للأدب العربي، وقد برزت مواهبه الشعرية منذ سن الثالثة عشرة.
تجاوز تأثير البردوني حدود التدريس إلى العمل الإعلامي والثقافي؛ فقد تقلد مناصب مهمة في إذاعة صنعاء، بدأها كمشرف ثقافي ثم مديرًا للبرامج حتى عام 1980، واستمر في تقديم برنامجه الإذاعي الشهير "مجلة الفكر والأدب" حتى أيامه الأخيرة. كما ساهم بكتاباته في الصحف الرسمية، وأشرف على صفحاتها الثقافية، وكان من المؤسسين الأوائل للاتحاد العام للأدباء والكتاب اليمنيين، والذي تولى رئاسته ليُصبح صوتًا بارزًا في المشهد الثقافي اليمني.
اشتمل إنتاجه الأدبي على اثني عشر ديوانًا شعريًا صدرت بين عامي 1961 و1994، مثلت مرآة صادقة لتجربته الفريدة وتفاعله مع قضايا أمته. تميز شعره بطابع حديث يجمع بين النزعة القومية والرومانسية، وتناول فيه بعمق قضايا سياسية واجتماعية وثقافية، مثل الصراع الجمهوري الملكي في اليمن، ومكانة الثقافة الشعبية، والهوية اليمنية. أما على صعيد النثر، فقد أغنى المكتبة العربية بمؤلفات نقدية وفكرية قيّمة، تناولت الشعر اليمني وتاريخه، وفنون الأدب الشعبي، إضافة إلى دراسات عن الثورة والثقافة اليمنية.
حظي البردوني بتقدير واسع على المستويين المحلي والعربي والدولي، حيث نال العديد من الجوائز المرموقة، منها جائزة أبي تمام عام 1971، وجائزة شوقي عام 1981، وجائزة اليونسكو عام 1982 التي تضمنت إصدار عملة فضية تحمل صورته، وجائزة مهرجان جرش عام 1984، وجائزة سلطان العويس عام 1993. كما تُرجمت بعض أعماله إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، مما يؤكد عالمية رسالته. رحل البردوني عن عالمنا في صنعاء عام 1999، مخلفًا وراءه إرثًا أدبيًا وفكريًا عظيمًا لا يزال مصدر إلهام للأجيال التالية.
الأسلوب الشعري
يمزج شعره ببراعة بين الحداثة والأصالة، ويتسم بالعمق الفكري والرؤية النقدية، مع غلبة الطابع القومي والرومانسي. يتناول قضايا الوطن والإنسان بأسلوب رمزي ولغة قوية معبرة، ويستلهم التراث الشعبي والتاريخي.