السيرة الذاتية
يُعد الشاعر والناقد اليمني عبد الرحمن فخري، المولود في مدينة عدن عام 1936، أحد أبرز رواد قصيدة النثر في المشهد الثقافي العربي الحديث. نشأ فخري وترعرع في فترة حكم الاستعمار البريطاني لعدن، حيث تلقى تعليمه الأساسي والمتوسط في مدارسها، ما أتاح له فرصة مبكرة للوعي بالتحولات السياسية والاجتماعية في محيطه. بدأت مسيرته المهنية كمدرس، لكنه سرعان ما وجد نفسه جزءًا من الحراك الوطني، ففُصل من وظيفته عام 1958 إثر مشاركته في الإضراب العام الذي اندلع احتجاجًا على انتخابات المجلس التشريعي، مما دفعه للانتقال إلى المعهد الإسلامي لمواصلة عمله.
شكلت هذه التجربة نقطة تحول في حياته، حيث سعت رابطة أبناء الجنوب العربي إلى إيفاده لاستكمال دراسته الثانوية في الجمهورية العربية المتحدة (مصر آنذاك)، ومنها انتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، التي كانت مركزًا للإشعاع الثقافي والفكري في المنطقة. هناك، انخرط فخري في دراسة تخصصي الاقتصاد والعلوم السياسية، مما أكسبه رؤية تحليلية معمقة للمجتمعات وتفاعلاتها، وأثرى من زاوية نظره للعالم والإبداع الأدبي.
بعد عودته إلى اليمن، شغل عبد الرحمن فخري جملة من المناصب الثقافية والحكومية الرفيعة، حيث عمل في وزارتي الاقتصاد والثقافة، وترقى في الأخيرة حتى وصل إلى منصب وكيل الوزارة. كان له دور محوري في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وشغل فيه منصب نائب الأمين العام، مما يؤكد حضوره الفاعل في تنظيم الحياة الثقافية في بلاده. كما امتد نشاطه المهني إلى خارج الحدود اليمنية، حيث عمل مسؤولاً في مجال الإعلام لدى منظمة الأمم المتحدة، ما عكس قدرته على التفاعل مع القضايا العالمية.
على الصعيد الأدبي، يُنظر إلى فخري كأحد المجددين الذين أثروا في مسار الشعر العربي الحديث، فهو من أوائل من تبنوا قصيدة النثر في اليمن وعمل على ترسيخها وتطويرها. لم يكتفِ بالتجريب، بل صاغ رؤية فنية تعتمد على الإيقاع الداخلي والموسيقى الخاصة للقصيدة، متجاوزًا بذلك قيود الأوزان التقليدية وقوالبها الصارمة، ليقدم نموذجًا شعريًا جديدًا يعكس حساسية العصر. هذا التجديد لم يمر دون تقدير، فقد حظيت أعماله بالترجمة إلى لغات عالمية، وصدر له مختارات بالإنجليزية تحت عنوان "ليالي الأدب العربي الحديث" عام 1988.
خلّف عبد الرحمن فخري وراءه إرثًا أدبيًا غنيًا يضم عدة دواوين شعرية بارزة، منها: "نقوش على حجر العصر" الصادر عام 1987، و"من الأغاني ما أحزن الأصفهاني"، و"من جعبة الفراشة". كما أثرى المكتبة النقدية بكتابه "الكلمة والكلمة الأخرى" الذي صدر عن وزارة الثقافة في عدن، والذي يعكس عمق بصيرته النقدية. استمر عطاء هذا الشاعر والناقد المتميز حتى وفاته في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة عام 2016، تاركًا بصمة لا تُمحى في تاريخ قصيدة النثر اليمنية والعربية بأسرهما.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه الشعري بالتحرر من الوزن والقافية التقليديين، واعتماد قصيدة النثر كوسيلة للتعبير. يركز على الإيقاع الداخلي واللغة المكثفة والصور الشعرية العميقة، مما يعكس تجديداً في البنية والمضمون.