السيرة الذاتية
محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد الفِهري السِّبتي، المعروف بابن رشيد السبتي، يُعد من أبرز علماء المغرب في العصر المريني، وأحد الرحالة العظام الذين أثروا المكتبة العربية بمعارفهم وتجاربهم في القرنين السابع والثامن الهجريين. وُلد في سبتة عام 657 هجريًا الموافق 1259 ميلاديًا، ونشأ فيها متلقيًا أساسيات العلوم الشرعية واللغوية، مما مهد له الطريق لرحلة علمية واسعة النطاق تجاوزت حدود مسقط رأسه.
لم يقتصر تحصيله العلمي على سبتة، بل اتجه شمالًا وشرقًا؛ فمضى إلى إفريقية (تونس حاليًا) والأندلس، حيث اغترف من معين علمائها الأجلاء، قبل أن يُيمم شطر المشرق في رحلته الشهيرة لأداء فريضة الحج عام 683 هجريًا (1284 ميلاديًا). كانت هذه الرحلة، التي وثقها في كتابه النفيس "ملء العيبة"، محطة فارقة في حياته؛ إذ زار خلالها كبريات الحواضر الإسلامية مثل القاهرة ودمشق ومدن الحجاز، والتقى فيها بكوكبة من أكابر العلماء والمحدثين والقراء، وأخذ عنهم مختلف فنون المعرفة، جامعًا بين علو الإسناد وغزارة المتن.
بعد عودته إلى المغرب العربي، استقر ابن رشيد لفترة وجيزة في سبتة، ثم انتقل إلى غرناطة في الأندلس عام 692 هجريًا (1293 ميلاديًا) بدعوة من الوزير ابن الحكيم، حيث تولى مناصب مرموقة كالخطابة بالجامع الأعظم والقضاء. وبعد وفاة الوزير، عاد إلى المغرب ليستقر بمراكش، ثم استدعاه السلطان المريني أبو سعيد عثمان إلى فاس، حيث حظي بمكانة رفيعة في بلاطه وأصبح من خاصته ومستشاريه المقربين، مما يدل على علو قدره ومكانته العلمية والاجتماعية. واصل عطاءه العلمي والإداري حتى وفاته في عام 721 هجريًا (1321 ميلاديًا).
امتاز ابن رشيد السبتي بعقلية موسوعية فذة، تجلّت في جمعه بين شتى فروع العلم؛ فقد كان محدثًا فقيهًا، لغويًا نحويًا، مفسرًا بارعًا، وخطيبًا مصقعًا. اشتهر بإتقانه للقراءات السبع، وتعمقه في علوم الحديث، خاصة فن المحاكمة بين الأئمة كالبخاري ومسلم. كما كان عارفًا واسع الاطلاع بالتاريخ والسير والأخبار. وقد مال إلى المذهب الأثري في العقيدة، وكان على مذهب أهل السنة والجماعة، وانتسب فقهيًا إلى المذهب المالكي، مع وجود إشارات إلى قربه من المنهج الظاهري في بعض المسائل.
يُعد كتابه "ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الكريمة إلى مكة وطيبة" أيقونة من أيقونات أدب الرحلات، ليس فقط لسرد وقائع السفر، بل لكونه مرجعًا هامًا يوثق اللقاءات العلمية والإجازات التي حصل عليها من شيوخ المشرق، إضافة إلى فوائده الأدبية والاجتماعية والتاريخية. ومن أبرز مؤلفاته الأخرى في علوم الحديث "السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين البخاري ومسلم في السند المعنعن"، و"إفادة النصيح بالتعريف بإسناد الجامع الصحيح"، إلى جانب مصنفات في النحو واللغة والتراجم، ما يؤكد غزارة إنتاجه وعمق بصيرته في مختلف التخصصات.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه بالرصانة والعمق الموسوعي، فهو يجمع بين السرد التاريخي والتوثيق العلمي الدقيق، مع ميل واضح إلى التحليل والمحاكمة في علوم الحديث، وإتقان لفنون اللغة والنحو. يعكس نثره غزارة علمه وتنوع اهتماماته، ويغلب عليه الطابع الأكاديمي والوصفي المفصل.